وقفة في أفكار وعقلية الأمن الشخصي للمسئولين العراقيين

إن مفهوم الحماية هو توفير قدر كافي من الأمن إلى الجهة أو الشخص المأمن عليه وتقع تلك المسؤولية على شخص أو أشخاص تتكفلهم جهات رسمية مرخصة (كالشركات ) أو تلتزمهم أنظمة حكومية أو مؤسساتية ضمن منظومة الدولة ( كالأمن والشرطة ) وهذه الجماعات " تأمن الحماية للأشخاص و المنشآة " و تحكمها ضوابط سلوكية وأخلاقية ومهنية , والأشخاص الذين يعملون بهذا المجال تتوفر لديهم صفاة جسمية وأخلاقية ما تسمى (السلامة الصحية والسمعة الحسنة ) من ضمنها كتمان السر في العمل وعدم التدخل في شؤون المأمن عليه .وإن كل تلك الضوابط والسلوكيات التي نستعرضها هي ربما جزء من إجراءات عمل رجال الحمايات العامة التي نشاهدها في الأسواق أو في الشركات , وربما تكون أكثر دقة وأشد صرامة في الحمايات الخاصة , عندما يكونوا هؤلاء الأشخاص هم رجال دولة ومهمين للغاية .


و يفترض أن يكون ذلك بشكل دقيق ومهم في بلد كالعراق يمر بمنعطف تاريخي خطير وبتحدي كبير من الداخل والخارج على كل الأصعدة وبالذات السياسية والأمنية , وهذا التحدي يهدد بالذات كيان ووجود رجالات العملية السياسية . الذين يشكلون بمجملهم الخريطة السياسية الجديدة للعراق .. فالمقالة تستعرض وتفتش بأفكار وعقلية الحراس الشخصيين للمسئولين العراقيين , الذين يرافقون المسئولين من مكاتبهم أو منازلهم الشخصية حتى مقراتهم الحزبية والحكومية إلى ابعد نقطة حساسة في دوائر الدولة الأمنية والرسمية .


أن المتتبع للشأن العراقي السياسي والأمني يجد أن هناك استهداف عالي الجودة والدقة والتخطيط لاغتيال المسئولين العراقيين تتجاوز إمكانية أشخاص عاديين بل تتعدى إلى دول أو مؤسسات أمنية كبيرة تتمتع بدقة في التنظيم و التمويل , وهذا ما تشهده سلسلة من محاولات الاغتيالات السياسية رغم إخفاق البعض منها إلا أنها استطاعت أن تحقق رسالتها المنشودة , وهنا نريد استعراض بسيط لما حدث لبعضهم , و نبداء حصريا في أهم الشخصيات واهم المناطق حساسية ,اغتيال السيد محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية والسيد عز الدين سليم والسيد محمود المشهداني رئيس البرلمان العراقي فقد تعرض في منطقة الخضراء لمحاولة اغتيال وبعده نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي , والشيخ جلال الدين الصغير , ونائب رئيس الوزراء سلام الزوبعي والحادث الأخير في مطعم البرلمان العراقي الذي أدى بحياة البرلماني محمد عوض وثماني آخرين , وإن تلك المحاولات جاءت بشكل دقيق جدا - كادت أن تكون قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الهدف وهذا الاختراق ليس بالسهل أبدا , فكيف استطاعت تلك الأيادي واختراق تلك الموانع بيسر والتغلغل إلى الخط الأول لحماية المسئول وتصل بسهولة إلى ابعد نقطة في هدفها , فهنا نحاول تفحص النقاط الثلاث بشكل مبسط .


أن المتعارف على تلك الشخصيات السياسية التي تدور العملية السياسية في العراق هي جاءت أصلا من كتل وأحزاب وليست جاءت عن طريق التوظيف , وان هذه الكتل والأحزاب لديها قواعد وقد تختار حراس أمنيين من تلك القواعد يتم تدريبها على أيدي شركات حماية خاصة وما أكثرها في العراق !! أو يتم تدريبهم على يد القوات الأمنية الأمريكية وبالتالي هي شركات أمنية , وبالتا كيد إن تدريبهم لا غبار عليه من الناحية المهنية , وان اغلب ألمسئولين يحرصون على جلب أقربائهم في حماية أرواحهم لعدة اعتبارات " الاقربون أولى بالمعروف " وخاصة الرواتب المقدمة لهم مغرية مقياس بالوظائف الأخرى . وهنا لابد أن نتساءل هل من المعقول تم اختيار هؤلاء الحراس الذين تأمن لهم حياتهم دون معرفة بهم وبخلفياتهم الأخلاقية والعقائدية , و إلا كيف تمت تلك الاختراقات بين صفوفهم و ما هي الدوافع التي دفعتهم للتضحية في أنفسهم وتفجير من أطعم عوائلهم وأثقل جيوبهم بالمال والهدايا والسفر والسيارات الفارهة ؟


حقا أن تلك الظاهرة تستحق الدراسة والتفحص , هل جاء هؤلاء الحراس في عملهم لغاية في عقولهم وأفكارهم ملئت عليهم دوافع عقائدية أو توجهات سياسية معينة ؟ وما هي القناعات التي يحملها شخص يضحي في نفسه ؟ وهل تستحق تلك القناعات التضحية ؟ وإذا تم اختيار هؤلاء على أسس عشوائية ودون دراية بخلفياتهم الأخلاقية والعقائدية , فهذا يدل على وعي المسئول السياسي وطريقة تفكيره العشوائية لكل ممارساته اليومية والسياسية والعملية وضيق محدودية وعيه وهذا النوع لا يصلح للعمل السياسي إطلاقا ولا يصلح أن يمثل شعب ولا يصلح أن يدور شؤون نفسه , وأما إذا كان على دراية باختياره هذا , فان هذه كارثة كبرى لأنه كالذي اختار فنبلة زرعها في جسده ولا يدرك متى تنفجر وتفتك بحياته وبحياة من يقف بجواره .


وهل استطاع محمود المشهداني رئيس البرلمان التوصل إلى صيغة تعاقدية مع إحدى الشركات العالمية الموجودة في العراق عندما أعلن عن ذلك بعد تعرضه لمحاولة اغتيال " سنقوم بالتعاقد مع شركة أمنية من جنوب أفريقيا والتي ستأخذ على عاتقها حماية رئيس وأعضاء مجلس النواب العراقي" ورغم إن هذه التصريحات أثارت انتقادات واسعة في مختلف الأوساط السياسية العراقية حيث فضل هؤلاء أن تقوم أجهزة الحكومة (بحماية ممثلي الشعب). وهذه لان تولية مهمة الأمن والحماية إلى جهة غير حكومية يعتبر تنازل عن أهم مكون من مكونات السيادة في ألدولة، ويبدو ظل موضوع الحماية مسالة قناعة الشخص المسئول نفسه .


و الحارس الشخصي يعرف عن المسئول أكثر مما يعرف عنه الآخرين وربما ابعد من ذلك , وان هذه المعرفة ربما تغير قناعات كثيرة لدى الحارس , أما سلبا أو إيجابا حسب توجهات المسئول الأخلاقية والسياسية , وان تلك التأثيرات التي يعيشها الحارس اليومي ويكتسبها من المسئول تؤثر على سلوكه الشخصي , مما تتولد لديه قناعات مغايرة لتوجهات سيده وقد تتراكم تلك القناعات إلى حد أن يطفح الكيل في نفس الحارس , والتاريخ مليء بالمشاهد والحكايات مثل هذا النوع . والانتحار هو عملية التخلص من الشخص بدوافع و قناعات خاصة تمليها عليه دوافع نفسية وعقائدية يستطيع من خلالها أن يضحي بحياته . وان ما يثير الدهشة أن تسمع عن الشخص المنتحر والمفخخ كان رجل نزيه وذو سمعة طيبة ؟ إذن ما هي القناعات التي وصل إليها ذلك الشخص ؟ وما هي الأسرار التي دفنت معه لكي يؤدي بحياته إلى هذا المطاف ؟.


وإذا توقعنا أن الحارس تم اختراقه من جهة إرهابية كما يقال فما هو لون الاختراق الذي منيا به الحارس وما هي نوع الإغراءات التي سيحصل عليها وهو يؤدي بحياته للهلاك وما هو حجم الولاء الذي يحمله الحارس الشخصي للحد الذي يفكر أن يخون ذلك المسئول القريب له والمستفيد منه ويضحي بنفسه ؟ وهل هذا يعقل ؟

أم أن هناك أسرار كبيرة ترافق تلك العمليات وتغلف باسم الحراس الشخصيين . وإذا أخذنا العملية الأخيرة التي حدثت في البرلمان العراقي والذي أدت بحياة النائب محمد عوض وثمانية من الموظفين وجرح أكثر من عشرين شخص في مطعم البرلمان والذي فجر احد الحراس الشخصيين نفسه بحزام ناسف وحقيبة من المتفجرات فكيف دخل مع المسئول وتجاوز عدة خطوط تفتيشية لكي يحقق رغبة معينة أو قتل شخصية معينة وهل يصدق عاقل ما يقال ؟؟؟ وهل يعلم مسئول ذلك الحارس بما يحمله حارسه إن تلك المأساة والملهاة تكاد أن تكون كالطلامس الغامضة تحتاج إلى خبراء لتفكيكها وقراءات ودراستها , وستكشف الأيام المقبلة خفايا كثيرة ومفاجئات لا يتوقعها العقل.


وعلى المسئولين الآخرين التفتيش بعقلية وأفكار حراسهم الشخصيين , التأكد من ولاءهم و تجديد قسم المهنة والشرف عليهم , لان في ذلك نجاة لهم , وبهذا سنحسب الكثيرين منهم في الأيام المقبلة في عداد القتلى بأسلحة حراسهم , إذا صحت المقولة الإعلامية التي تتردد في أروقة الفضائيات وأدبيات الأحزاب الحكومية العراقية , بان الإرهاب تغلغل إلى دوائرهم وبيوتهم ومؤسساتهم من خلال حراسهم الشخصيين فذلك يعني لا ثقة بمن تأتمن به , وأن الجميع ينتظرون نحبهم الموعود والمحتم على أيدي حراسهم الشخصيين وهذه مدعاة للسخرية والهزل .

0 views0 comments