هل يستطيع الساسة التخلي عن المشروع الطائفي والعرقي في العراق

(1)

بداية المشروع :


المشروع الطائفي والعرقي هو مشروع ذات طابع مذهبي ديني وقومي تتبناه الاحزاب الدينية والعرقية بكل الوانها السني والشيعي والمسيحي العربي والكردي ويهدف الى أستغلال المشاعر الدينية والعرقية للجماهير, لاهداف سياسية تعود بالنفع السياسي لتلك الاحزاب من خلال التخندق بتلك المشاعر والانغلاق على تلك المجموعات بذاتها لتعزيز قاعدتها الحزبية وأحراز أكبرعدد من المقاعد في البرلمان والفوز في الحقائب الوزارية , وهي غير مؤمنة بالانفتاح على الاخرين او قبول الاخر فهي احزاب طائفة وقومية. وذلك جاء نتيجة الوهن والضعف الكبير في مفهوم الثقافة الوطنية وأنعدام الحس الوطني للفرد نتيجة أفراغ المجتمع من الولاءات الوطنية والاتجاه نحو تقديس القائد والولاء للحزب مما ادى بتلك الثقافة المشوه الى تمزيق وحدة الوطن .

ومن الاسباب الجوهرية التي أدت الى بداية المشروع هي :


• نتيجة الممارسات القمعية والسلوكيات الوحشية التي ارتكبها النظام الصدامي المقبورعلى قدم وساق إتجاه شرائح الوطن المتعددة من قمع وقتل جماعي وتهميش وإقصاء, مما جعلها ان تتوحد وتنظم صفوفها في منظمات واحزاب سياسية ضيقة داخل العراق وخارجه لمقارعة النظام التسلطي وللمطالبة بنيل حقوقهم المسلوبة .


• أن تكتل تلك الطوائف والملل جاءت الى بداية تاسيس المشروع الطائفي والعرقي من قبل الاحزاب السياسية المعارضة, وقد كان عملها المشترك نتيجة حتمية لمواجهة عدو مشترك (نظام البعث) وليس على اساس تصور معقول ومسؤول لتاسيس وبناء كيان سياسي موحد يعمل على بلورة فكرسياسي عراقي موحد ضمن اطار الوطن الواحد على ان يستوعب الجميع بغض النظر الى الانتماءات الاخرى .


• عدم وجود برامج عمل وطنية مشتركة تكرس حالة الانتماء للوطن وتساعد في رفع روح المواطنة لإنقاذ المجتمع من مخالب الدكتاتورالمتسلط , من خلال تبني برامج أعلامية موجهة لداخل العراق يساعد على رفع درجة الوعي الوطني. ولكن للاسف كان التثقيف بالاتجاه المعاكس حيث كان التكريس للطائفة والمذهب والعرق والحزب وذلك عن طريق أحياء مناسبات دينية وحزبية على حساب وحدة الوطن وهمومه.


• لم تكشف تلك الاحزاب على ابسط برامجها وتوجهاتها لبعضها البعض, ولاتوجد خطط وطنية مشتركة بينها على اساس رفع الحيف عن كاهل المواطن والتعامل مع التداعيات التي تخلقها الاحداث الداخلية والخارجية, وهذا ما اثبتته التجربة السياسية ما بعد زوال النظام المقبور. أبتداء من الفلتان الامني وغياب كامل وتام لشكل العملية السياسية وانهيار لمؤسسات الدولة.


• جعل العراق ساحة للصراعات الخارجية (الاقليمية والدولية) بدخول وتجنيد الارهاب باوسع قوته لهدم التجربة العراقية وافشال المشروع السياسي والداخلية (الصراعات السياسية) على اسس طائفية وعرقية من اجل السيطرة على مقاليد الحكم.


• تشكيل مجلس الحكم والحكومة المؤقتة والحكومة الأنتقالية والحكومة الدائمة على اسس المحاصصة الطائفية والعرقية, التي صدعت التجربة السياسية وارهقت المؤسسات العراقية.


(2)

تداعيات المشروع :


أن تداعيات المشروع الطائفي والعرقي (القومي) جعل النسيج العراقي بحالة تشرذم وتفكك نتيجة التجاذبات السياسية والطائفية القبيحة على أسس ضيقة , وقد خلقت تلك التداعيات مليشيات مسلحة أنهكت العراق وأهله وأزهقت دماءه واستباحة مصيره. وقد فتحت تلك التداعيات شهية دول الجواروالقوى المعادية للعراق في تصدير الارهاب والارهابيين المرصعة بفتاوى دينية مقيتة وباطلة جعلت من العراق ساحة صراع لتصفية الحسابات ولوي الاذرع بين الدول المتنازعة طائفيا , أعادت المشهد الدموي الاموي والعباسي من خلال قطع الرؤوس والتمثيل في الاجساد وحرق الجثث والتمثيل بالموتى .


فقد أصبحت العملية السياسية مرهونة بيد قوى طائفية دينية وعرقية مسيطرة على المشهد السياسي العراقي ,خلقت قوة سياسية مسلحة تحت مسمى (مليشيات) من كل الاطراف تصول وتجول في أبطاحة العراق مما اعادة للذاكرة مراكز القوى الامنية المتعددة في زمن الدكتاتورية,ساهمت في اغيير الطوبوجغرافية والطوبوسياسية في الواقع السياسي تحت سطوة السلاح والقوة, وكذلك التهجير لكل الاطراف المتنازعة. وعلى الرغم من تقسيم المناصب والغنائم الحكومية والادارية على اسس طائفية وعرقية الا ان الاحتراب والأقتتال والتربص والخطف والتصفيات الجسدية ظلت قائمة في المشهد العراقي بصورة مرعبة , حتى عانت كل الحكومات المؤقتة والانتقالية والدائمية من فراغ إداري وأزمات سياسية في أغلب الوزارات نتيجة الصدامات والصراعات والتجاذبات السياسية. وقد عانت تلك الوزارات والدوائر من فساد إداري ومالي كبير , نتيجة الاستأثار بالحق العام وأنعدام الحس الوطني والمسؤولية الوطنية بالحق العام .


المحاصصة الطائفية والعرقية تركت بظلالها الثقيلة على مؤسسات الدولة العراقية وهياكلها الادارية دون النظرالى مبدأ "الرجل المناسب في المكان المناسب " وعدم الالتزام في الحد الادنى من الضوابط المهنية والعلمية لقسم كبير من الوظائف المهمة , مما أنعكس سلبا على الاداء الوظيفي لبعض مؤسسات ودوائر الدولة .وقد طالت تلك المحاصصة جميع الوزارات الامنية والدبلوماسية مما سهل على اختراقها بسهولة من قبل خصوم العملية السياسية لوضع العصي في عجلة الحكومة , مما عكس ذلك على تردي الاداء والخدمات على الشارع السياسي .


وعلى الصعيد الأمني عاش المشهد العراقي على صفيح ساخن, حيث عانت الارصفة والطرقات والمدارس والجوامع والكنائس والحسينيات ومراكز العلم والتسوق ومراكز التطوع والدوائر الخدمية , من قتل وأرهاب وتشويه بسيارات وأحزمة ناسفة ومفخخة طالت البشر والحجر والمباني والحيوانات , على ايدي النظام السابق والمرتزقة الاجانب الذين يرمون الى تعطيل وتاخير العملية السياسية والرجوع بها الى المربع الاول. وقد عجزت القوى السياسية العراقية مجتمعتا ان تتوحد بمشروع وطني للحد من ظاهرة العنف والقتل اليومي والجماعي والتصفيات الجسدية على مختلف انواعه . وبقى سيف النحر الطائفي يحز في جسد الوطن على أسس وولاءات ضيقة على حساب وحدة تراب الوطن .


وقد أدركت الاحزاب والكتل والتحالفات السياسية تلك المعناة نتيجة التخندقات الطائفية والعرقية, وقد شهدت تلك التحالفات والاحزاب تصدع وتشظي داخل صفوفها, مما ادى الى الاعتراف والمصارحة بعدم جدوى التخندقات. معلنين أن المشروع الطائفي في العراق اثبت فشله مما نرى تغيير وتحسين في أداء الخطاب السياسي قريب انتخابات مجالس المحافظات, والدعوة الى لملمة لحمة الشعب العراقي وتقوية تماسكة بجميع طوائفه وقومياته. وإن ما يدفعنا لتسليط الضوء على هذا المشروع المقيت هو النتائج الخطيرة التي سارت عليها العملية السياسية في ميدان الصراعات الواهنة .


(3)

المخرج من المشروع :


نظرا لما خلفه المشروع الطائفي والعرقي في العراق من تبدد في البنية البشرية والطاقات الابداعية وهدر للمال العام وعرقلة المسيرة السياسية وهدم لكل المعالم المدنية والتحضر, وتجاوز على حقوق الانسان وتحجيم واقصاء دور الكفاءات الوطنية وتعطيل المجتمع المدني والحد من ممارسه دوره الطبيعي في التثقيف والتاهيل . فلابد للخروج من عنق الطائفية والعرقية عبر آليات عمل مشتركة بين مكونات الشعب السياسية وذلك عن طريق توحيد الصف العراقي وتعزيز دور المواطنة , واللجوء الى خلق جيل واعي وقادر على السير في بناء الوطن سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بعيد عن كل التاثيرات الجانبية.


وتغييرالخطاب السياسي لدى قادة العراق السياسيين بشكل يتناسب مع المنظومة الاجتماعية والاخلاقية لحاضر ومستقبل العراق حالة صحية تستحق الاهتمام والمتابعة , ونظرا لاستقراء الواقع بكل مكوناته الثقافية والاجتماعية والسيكولوجية من قبل الكثير من السياسيين عند ملامستهم للواقع بشكل جدي عبر انساق ايديولوجي مستمد من التصورات السياسية المنبثقة من التراث الديني ولارث الثقافي العراقي , اضافة الى منظومة الحداثة التي تنسجم مع مستوى النضوج الفكري والوعي الوطني لمتطلبات المجتمع ومدى ارتباطه بمستوى السلوك والاداء في عملية التغيير والتنمية باعتبارها ضرورة حتمية لقلب كل الحسابات المغلوطة.


ومن هنا نلاحظ الدعوات للاصلاح والتغيير من داخل اطار الحكومة وخارجها والشكوى من ظاهرة المحاصصة تبعا للاستحقاقات الانتخابية والتوزيع السياسي للوظائف. لقد نادت اغلب القوى السياسية داخل الحكومة وخارجها للتخلي عن مشروع الطائفية معتبرتا ذلك معيبا على تاسيس الدولة العصرية الحديثة . وذهب البعض منهم عن التخلي عن مناصبهم والانسحاب من التشكيلة الوزارية " التيار الصدري " مثالا " وخطاب الجعفري ودعوته للاصلاح " نموذجا , ودعوة رئيس الوزراء نوري المالكي لرفض مبداء المحاصصة , ودعوة طارق الهاشمي وانسحاب رئيس البرلمان المشهداني , وتكسر كثير من التحالفات التي اسست على اسس طائفية ومذهبية وعرقية .


ونحن نشهد في الايام القريبة إنفراج وتغيير للخارطة السياسية والتوجهات الايدلوجية لدى الاحزاب والقادة السياسيين , وهذه رغبة الشارع السياسي من خلال دعوته لتقريب المشتركات الوطنية واعادة بناء الهوية الحقيقية للمجتمع العراقي والتمسك بوحدة الوطن وتفعيل دورالمواطن وترسيخ السلوك الديمقراطي للمواطن من خلال تنمية الحس الوطني والوعي بحقوق الانسان وفسح المجال لمنظمات المجتمع المدني للمساهة باتجاه التغيير, وتشهد انتخابات مجالس المحافظات طرح قوائم جديدة مدنية ومستقلة تناشد الوعي الوطني وتستجيب لطموحات الشارع السياسي , فقد تخلت أغلب الاحزاب الدينية والعرقية عن مرشحيها الأيدلوجيين وطرح أسماء جديدة وظهور قوائم وكتل وقوائم تشير الى الاستقلال والمدنية.

0 views0 comments