هل توجد استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد في العراق ؟

تمهيد

طرحنا في دراسة سابقة بعنوان مظاهر الفساد : مسبباتها وتحليلها واثارها على المجتمع العراقي , ولكن لم نطرح الحلول والمقترحات للحد من هذه الظاهرة ... وفي هذه الدراسة نطرح مقترحات وتوصيات ورؤى تساهم في الحد من ظاهرة الفساد المالي والاداري في العراق .


والفساد هو ظاهرة عالمية تؤدي الى اضعاف المجتمع وتفتيت قيمه الاخلاقية وتخلق تفاوت طبقي كبير وهوة هائلة بين طبقة الفقراء وطبقة الاغنياء اللصوص, الذين يمتصون دماء وقوت السواد الاعظم من ابناء المجتمع . والفساد يقوض سيادة القانون ويلغي العدالة بين المواطنين وكذلك يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للبلد ويضعف اداء مؤسسات الدولة ويقتل الروح الديمقراطية في الدول التي تسعى الى تاسيس دولة القانون. وتعطل مسيرة التنمية الاقتصادية والبشرية والبناء والاعمار وفي ظل إتساع دائرة المفسدين تتعطل جميع المشاريع الاصلاحية وتفقد مصداقيتها في الشارع السياسي وتعتبر ثرثرة طوباوية .


ولايمكن ان يتحقق مشروع محاربة الفساد بعصى سحرية ولا بالاحكام العرفية ونشر المقاصل والمشانق على أرصفة وممرات الدوائر والوزارات الحكومية . ولكن يتحقق بمشروع استراتيجي وطني يهدف الى محاربة الفساد من خلال ترسيخ مبدأ الشفافية والنزاهة والمساءلة والعدالة وتفعيل الادارة السليمة , عن طريق التأهيل والتهذيب والتدريب المهني والعملي للعاملين الحكوميين , وتفعيل الحوافز والترقيات في العمل وغرس مبدأ التفاني في العمل وأحترام القانون والولاء للوطن. واشراك المجتمع الدولي والمجتمع الاقليمي والمجتمع العراقي متمثلا بمنظماته المتعددة من خلال تعاون وتنسيق مشترك بوضع آلية عمل منتظمة , إن كان مشروع مكافحة الفساد يطلق بجدية واضحة!!!


وقد استحضر قصة لموظف ياباني كهل حدثت بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن حطت الحرب اوزارها ولملمت اليابان جراحاتها ذهب الناس الى جمع الركام ونفض الغبار عن شوارعها , ودبت الحياة في عروق الوطن وفتحت الدوائر ابوابها , وشمر العمال عن سواعدهم في بناء اليابان وقد كان ذلك الموظف يعمل في احد دوائرها وهو يعمل بتفاني واخلاص وولاء مطلق للوطن, وقد تجاوز على وقته المحدد في الاسراف في العمل حتى مر عليه مديره وهو يذكره بنهاية الدوام

فقال مديره - لماذا انت منهمك في انجاز المعاملات ووقت العمل انتهى , تستطيع ان تؤجل ليوم غدا

فأجاب- الموظف الكهل اشعر ان اليابان مسؤليتي واحمله على ظهري

كيف استطاع الشعب الياباني ان يتمتع بهذه الروحية العالية من التفاني والنبل والولاء للوطن؟ وهل يستطيع الشعب العراقي ان يصل الى ما وصل له الشعب الياباني من حب وتفاني وولاء لوطنهم؟


من اجل تحقيق عدالة في ردع المخالفين ومحاسبة المفسدين من خلال وضع ضوابط اخلاقية وقانوية ووطنية تكفل لكل المؤسسات ان تعمل بجدية وصدق باتجاه الاصلاح والتصحيح لكل المفساد وهذا لاياتي الا من خلال تفعيل خطوات عمل اساسية ومهمة وهي :-


1. العمل على تفعيل النزاهة والمساءلة والعدالة ضمن آليات عمل


مفوضية النزاهة المستقلة منذ تاسيسها عام 2004 لم تستطيع ان تضع ستراتيجية واضحة وصريحة للحد من ظاهرة الفساد, وهي معنية بمتابعة قضايا الفساد الاداري في المؤسسات الحكومية وملاحقة المتورطين بها وارسالهم للقضاء. فبالرغم من تعدد مؤسسات محاربة الفساد الرئيسة في العراق مثل مفوضية النزاهة العامة وديوان الرقابة المالية والمفتش العام و لجنة النزاهة البرلمانية. وارتباط تلك المؤسسات في عمل تعاوني ًمن خلال المجلس المشترك لمكافحة الفساد. على ان تضع مسودة لقانونٍ وطني لمكافحة الفساد حسب ما أفادت به منظمة الامم المتحدة (UNDP) .


ولكن كل تلك المحاولات لم تحقق على الواقع اي تقدم ملموس للحد من ظاهرة الفساد, بل كانت صدمة كبيرة على الاوساط السياسية والحكومية عند هروب المدير السابق للمفوضية القاضي راضي حمزة الراضي في 22 تموز2007، بعد تلقيه تهديدات كما أدعى أمام لجنة الرقابة في الكونكرس الامريكي . وقد تحدث عن فقدان 18 مليار دولار بسبب الفساد وقتل 31 من موظفي مفوضية النزاهة بسبب عملهم, ورغم تعهد رئيس الوزراء نوري المالكي باتخاذ اجراءات شديدة ضد الكسب غير المشروع منذ ان تولى منصبه عام 2006 لكن أفة الفساد لاتزال مستشرية بمؤسسات الدولة العراقية. وأن اتهام {{ رئيس لجنة النزاهة في البرلمان صباح الساعدي}} لرئيس المفوضية راضي الراضي في مؤتمر صريح بالفساد سابقة خطيرة للغاية.



وهناك محاولة قدمتها الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة (UNODC) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) من خلال الأدوات الملائمة لمكافحة الفساد ، عن طريق برنامج يعزز مكافحة الفساد لخمس سنوات في العراق على جميع الأصعدة وذلك من خلال تحسين الرقابة الداخلية والخارجية وتطبيق قانون مكافحة الفساد , ورغم كل الجهود والحشود الدولية والعراقية لمكافحة ظاهرة الفساد , الا اننا لم نرى محاكمة او مساءلة لاي مسؤول متهم بالفساد رغم التقارير والمؤشرات العالمية لحجم الفساد في العراق.

والسبب هو عدم وجود تعاون حقيقي وارادة لازمة بين الزعماء السياسيين والمفوضية , هذا ما قاله رئيس المفوضية الجديد رحيم العكيلي مشيرا الى الفساد " بالسرطان" لخطورته العظمة وصعوبة علاجه وقد قال يحتاج الى خطط طويلة المدى للاجهاز عليه .


وهل المؤتمر الذي عقدته المفوضية برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي هي احدى خطوات الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد ام ذر الرماد في العيون ؟ واذا كانت توصيات ورقة المؤتمر قد خرجت بنتائج جادة وفعالة نتيجة طرح مسببات الفساد وتشخيص المفسدين من المؤسسات والاشخاص .. ونتيجة لتلك المؤتمرات هل سيشهد 2009 عام النزاهة والمساءلة والعدالة كما قال رئيس الوزراء العراقي والقص من المفسدين . ولايمكن تفعيل النزاهة والعدالة الا من خلال ملاحقة المتورطين بالفساد والافساد والمهدرين للحق العام وارسالهم للمحاكم ومحاسبتهم.


وقد اعترف رئيس المفوضية للنزاهة السيد العكيلي بان هناك اكثر من سبعة الاف أخبار تم عرض 3200 على المحاكم , وصدور احكام ضد 70 متهما. وقال اننا نجحنا في تحقيق الردع العام او بمعنى اصح الخوف العام الا اننا اهملنا وسائل مكافحة الفساد الاخرى وهي الاهم ولذلك لم تظهر لدينا نتائج واضحة بان الردع لا يكفي للحد من الفساد, محملا الاجهزة الرقابة والقضائية بالمبالغة الى حد الرهبة, وقد دعا المجتمع كمنظومة ان يقوم بدوره بمجال مكافحة الفساد وعدم ترك الامر للجهات الرقابية وحدها.


ولكن هل عرضت تلك المحاكم في وسائل الاعلام مجريات المحكمة او نتائجها ضد الـــ 70 متهم لكي يطمئن الشارع العراقي على سير عمل المفوضية ومتابعتها للمفسدين ولكي يكونوا عبرة للاخرين !!!

وهل خطاب السيد العكيلي للمجتمع المدني ومنظماته يتضمن آلية عمل مشترك بين المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد وبين المجتمع المدني , وقد طلق هذا النداء في مؤتمر خاص لمكافحة الفساد , ولكن لم يعرض الآلية التي تفٌعل تلك النداءات, الا اذا يريد من ذلك ذر الرماد في العيون .



2. القضاء على المحاصصة الطائفية وأنهاء التدخلات الحزبية في مؤسسات الدولة


المحاصصة الطائفية السياسية : هي أحدى آليات إعادة إنتاج النظام الطائفي في المجتمع, وتكرس الفروقات الطائفية بين ابناء المجتمع وتقل روح الموطنة , ولاتخدم ابناء الطوائف في التقدم السياسي والثقافي والعلمي لانها تدمر الثقافة وتحددها في اطار ضيق, وكذلك بروز زعامات معدودة تتسلق السلطة وتحجرها وتعقدها لنفوذها وسيطرتها لفترة من الزمن . وهنا تتحجم وتنحصر وتنحسر الطاقات والكفاء السياسية والادارية في المكان الغير مناسب بسبب سيطرة الطائفة الفلانية على المناصب الحساسة في المجتمع , وهذا الاستحواذ يولد فساد اداري ومالي لاسباب كثيرة منها عدم الكفاءة في الادارة والاستأثار في المنصب قبل مغادرته.


والمحاصصة الطائفية ظاهرة سلبية تقتل المجتمع وتدمر بناءه الفكري والاجتماعي والثقافي وتعيد به الى عصور الجاهلية المظلمة, والتدخلات الحزبية في مؤسسات الدولة العراقية تعرقل وتعوق العمل المؤسساتي, لذلك بحاجة الى منع تسيس مؤسسات الدولة ولابتعاد عن التدخلات الحزبية في تلك المؤسسات, و هذه سلوكيات غير حضارية لايمكن ان تؤسس دولة قانون ودولة مؤسسات ولا مجتمع حضاري متقدم , بل تكرس تلك التدخلات الى تجيير المؤسسات الى ولاءات حزبية ضيقة تابعة لهذا الحزب او ذاك , وهذا يؤثر على علاقة ابناء الشعب ببعضهم وتردي سير تلك المؤسسات مما يزيد من حدة الترهل والفساد والاقصاء والنفي والابعاد للكفاءات الغير مسيسة .


وهناك علاقة حميمة وحتمية بين التدخلات الحزبية والفساد الاداري والمالي بمعايير المحسوبيات والمنسوبيات التي أعطبت مؤسسات الدولة العراقية وساءت الى عملها المهني , والتخلص من هذا الداء هو الحاجة الى آليات وخطط واسعة وبرامج وندوات ومؤتمرات مكثفة, ومكاشفة ومصارحة مع كل الاطراف التي تساهم في بناء المجتمع المعنية بالعيش المشترك , من جمعيات ومؤسسات حكومية وغير حكومية ونخب مثقفة من كتاب واعلاميين واكاديميين , لنبذ تلك الظواهر السلبية التي تهدم المجتمع وتقطع اوصاله , فالمجتمع العراقي اليوم امام تحدي مصيري وحقيقي لبلورة إجماع وطني يهدم هوة النزاع والفرقة بين ابناء المجتمع المتعدد الطوائف والقوميات والاحزاب واللجوء الى تأسيس دولة القانون والمؤسسات .


والدولة الوطنية المدنية التي تركزعلى مبدأ المواطنة ،هي الدولة التي تستطيع ان تعيش بعمر اطول بخطوات واثقة وبمستقبل واضح ومعلوم يضمن للجميع الحقوق والواجبات , من خلال حوارها مع المجتمع باطر قانونية وعلى اسس ترسيخ علاقة العيش المشترك ورفع نمط العلاقة بين الأفراد إلى مستوى المواطنة بعيد عن التأثيرات الطائفية والحزبية ، وتبقى تلك الانتماءات في حدود المتحدات الثقافية او التنوع الثقافي في حاضنة الوطن الكبير.

ولايمكن لاي ستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد تكون بمنعزل عن الابتعاد عن معالجة تلك السلوكيات الطائفية والحزبية , ونحن نتطلع الى تغيير وتحول في العملية السياسية المقبلة التي ستفرزها انتخابات المحافظات وانتخابات المجلس التشريعي المقبل, نحو تغيير صحي سليم يضع الوطن ومستقبل ابناء فوق كل الاعتبارات الضيقة .


3. التحشيد الجماهيري ضد ظاهرة الارهاب


الارهاب هو ظاهرة عالمية تروع الناس وتبث الفزع في نفوس المدنيين في اي مكان وزمان وتفتك المجتمعات وتعطل الحياة وتشل مفاصلها الحيوية , والارهاب هو صراع نفسي بكل مستوياه يحدث بين مجموعات سياسية وعرقية وطائفية داخل المجتمع مستعملا العنف والعدوان والتخويف من أجل الوصول الى هدف سياسي معين. والارهاب لايولد بالصدفة وانما تساهم مؤسسات أعلامية وجهات سياسية بصناعته, وهو اغلبه ردود افعال اما عن ظلم او فقر او خطا في تركيبة التنشئة الاجتماعية .


والمجتمع غالبا ما يساهم في صناعة الارهاب, وذلك بسبب عدم توفر حاضنات اجتماعية تكفل للفرد عيش كريم , او مقاطعات سياسية مبنية على مبدأ الاقصاء والابعاد . والارهاب والفساد تؤمان في الهدف والاسلوب والسلوك والممارسة وان الارهاب يمهد السبل للوصول الى أطماع مالية او سياسية باي طرق , فهناك ارهاب سياسي وهناك أرهاب مافوي يريد تغيير الموازين الطبقية في المجتمع فظهور مافية سراق وتهريب النفط , وسراق الاموال العامة بذرائع وهمية لاتمس للواقع بصلة " كالحمايات والتجنيد والتوظيف " باسماء وهمية مقابل جباية ملايين الدنانير العراقية , وتستعمل اليات ارهابية متعددة في الاستحواذ على الاموال العامة.


ولايمكن لاي مجتمع التخلص من ظاهرة الفساد بدون التخلص من الارهاب بكل انواعه , وهذا لا يأتي الا عبر تجفيف منابعه وقطع الطريق عليه من خلال استنفار كامل للمجتمع وتحشيد الجماهير واشراك جميع منظمات المجتمع المدني ومؤسساته الأعلامية في مسؤولية نبذ ظاهرة العنف وإيجاد حلول سياسية وأقتصادية للطبقات المهدور حقها من المستضعفين والعاطلين والمبعدين . وهذا لا ياتي الا من خلال تضافر الجهود المدافعة عن صيانة ضرورات الناس وحقوقهم وأمنهم ومصالحهم , والتأكيد على ضرورة تفعيل دورالمواطن في عملية مكافحة الفساد خصوصا الفساد السياسي والمالي واصلاح النظام الاداري.



0 views0 comments