مالذي تحتاجه الدولة العراقية لرسم ملامحها الحقيقية


ان الكتابة عن الدولة وملامحها الحقيقية لابد لنا أن نعرف مفهوم الدولة السياسي - وهو تنظيم سياسي واجتماعي لمجموعة من البشر تكاملت لها مجموعة من الروابط التضامنية التي تعمق انصهارهم في وحدة بشرية لها ذاتيتها المميزة , وتخضع تلك الروابط إلى تنظيم سياسي واجتماعي يقترب إلى حد ما إلى نظام مستمر لظاهرة السلطة السياسية داخل إطار الدولة , وقد يرجع نشأت الدولة نتيجة تفاعل عوامل متعددة أسهمت في تطورها عبر التاريخ وعلى مر العصور, وقد تختلف الدول نتيجة اختلاف العوامل التي تفاعلت ونشأت عنها الدولة كالحضارة والدين والتاريخ والموقع الجغرافي . فالنظام السياسي الذي يصلح لدولة ما - لا يصلح لأخرى . وان من ابرز العوامل التي أدت إلى نشأة الدولة الحديثة وتطورها هو- الوعي السياسي لإفراد المجتمع , حيث يعتبر الوعي السياسي هو المحرك الأول للتنظيم السياسي في ظل الدولة العصرية الحديثة . والنظام السياسي في أي بلد لايمكن أن يقوم إلا على أساس وجود الحد الأدنى من الوعي السياسي للمجتمع . وان للدولة وظائف عامة تتكلف بتنفيذها مجموعة من مؤسسات النظام السياسي الحاكم , تلبي حاجات ورغبات أفراد المجتمع ومن أهم هذه الحاجات هي الأمن والحماية وحاجات اجتماعية واقتصادية , وكذلك حاجة الإنسان إلى تنظيم العلاقات السياسية والاجتماعية فيما بينهم . لذا على النظام السياسي للدولة الحديثة أن يلجأ إلى خلق قنوات تنظيمية قانونية تضمن للإفراد حقوقهم وحرياتهم وتتفهم طبيعة عقولهم وميولهم الذاتية . ومنذ نشوء الدولة العراقية الحديثة عام 1921 ولهذه الساعة تسير العملية السياسية على ساق مبتورة دون أن تستند إلى ابسط مقومات الدولة الحديثة , فقد عاشت الدولة العراقية في القرن العشرين المنصرم من عمرها , جملة من المؤامرات والانقلابات والتصفيات السياسية والجسدية حيث صبغت شوارع الدولة العراقية بلون الدم كما أزكمت الأنوف برائحة الموت , وهدرت الكثير من مقدرات وحقوق البشر ودمر الحجر وانتهكت الأعراض وسلبت الارادات ونفي السياسيين وكممت الأفواه بقوة النار والحديد . حيث أصبحت صورة الدولة العراقية صورة مشوهة بكل معانيها .


وان لغة الإقصاء التي مارستها الأنظمة المتعاقبة على حكومة دولة العراق خلقت تداعيات نفسية وسياسية وأخلاقية كبيرة , وبعد زوال النظام الدكتاتوري الذي ساهم بنشر الثقافة العنف وبنشر الوعي المشوه من خلال لغة الخوف والترهيب والتشكيك لازالت الدولة المشوه وأصبحت عبارة عن خراب وحرائق حل في أبنية الدولة المنهارة . ولازال الشعب العراقي يعيش أزمة ثقة حقيقية اتجاه النظام السياسي القائم حاليا في العراق , بحيث لايمكن هضم النظام السياسي بوجهه الحقيقي رغم الجهد الذي بذلته اغلب القوى السياسية للوصول إلى نظام سياسي برلماني توافقي يمثل جميع أطياف الشعب العراقي من خلال (البرلمان العراقي) - وان النظام النيابي هو احد أوجه النظم الديمقراطية الحديثة . وقد جاء هذا البرلمان من خلال صناديق الاقتراع , وهو الممثل الشرعي للشعب العراقي . وقد كان من أهم مهام (البرلمان النيابي العراقي ) هو وضع دستور دائم للبلاد يخدم مصالح الشعب ويجعل للدولة هيبتها . وان وضع الدستور من خلال البرلمان النيابي هو الأكثر شيوعا وانتشارا في أنظمة العالم الديمقراطي الحديث . حيث يعتبر إن الشعب هو مصدر السلطة وهو المشرع لكل القرارات التي تهم مصلحة الشعب والدولة من خلال ممثليه في البرلمان, وان الإنجاز السياسي الحالي الذي أقدمت عليه جميع الحكومات المتعاقبة منذ سقوط النظام الدكتاتوري لم تقدم عليه أي أنظمة سياسية سابقة فقد رسمت ملامح الدولة الحديثة بجميع معالمها بالذات النظرية , رغم مآخذنا الكثيرة على أدائها العملي والذي سبب بخلق عقبات خلفتها الظروف المتأزمة والحرجة التي مرت بها الحكومة العراقية والعلاقات المتشنجة من قبل الشخصيات والكتل السياسية , تركت ظلالها على الحكومة السياسية الحالية وكذلك ما أحدثته السيادة المنقوصة في جسد الدولة العراقية من خلال تواجد قوات الاحتلال على ارض العراق وتداخلاتهم في أهم الملفات وهي الأمنية والاقتصادية ,

والتحدي الذي خلقته المجاميع التكفيرية إلارهابية لكي تعطل العملية السياسية لدولة العراق الجديد , كل هذه الأمور ساعد على تدور الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي التي جاءت لتعطل مفاصل الدولة العراقية وتشوه ملامحها الجميلة . حيث ينوي الكثير من الخاسرين وضع العصي في عجلة الدولة وعدم الاكتراث بما يحل بأهل العراق وشعبه , وان الحكومات التي تناوبت على حكم العراق بعد السقوط أرادت أن تضع الديمقراطية بصورة عشوائية على قارعة الطرق وهذا هو الخطأ الحقيقي , رغم إن الديمقراطي نظام سياسي وليست نظام اقتصادي , ولكن لا تصلح في الظروف الحرجة التي يختل فيها التوازن السياسي والاقتصادي , ولا تصح لمواجهة الأزمات الصعبة والشديدة .فهي أما تضعف السلطة التشريعية وتصبح الحياة فوضى في ظل ديمقراطية عشوائية دون ضوابط ورقابة , أو تلغى بوجود سلطة تنفيذية قوية تستطيع مسك الأمور بيد من حديد. .

والدولة العراقية اليوم لا تحسد على الظروف التي تعصف بها ومن تحديات داخلية أنخرت جدارها وأفرغت محتواها من قبل ضعاف النفوس وأصحاب الفكر الضيق من خلال الاستئثار والاستهتار بالدولة ومقدراتها والمواطن وحقوقه , حيث أصبح الفساد الإداري والأخلاقي السمة المميزة على الطابع الإداري للدولة العراقية , وهذا جزء من تركت ومخلفات ثقافة النظام الشمولي الغابر حيث أوعز لجميع دوائر الدولة على سياسة الاعتماد الذاتي التي من خلالها تم (تسليب المواطن) من اجل استمرار مسيرة نظامه الدكتاتوري .وان انتشار ظاهرة المليشيات العلنية والخفية من قبل الأحزاب الشيعية والسنية والتي شوهت معالم السلطة السياسية للدولة العراقية وأربكت عملها الأمني . والتحديات الخارجية التي لا تريد للعراق استقرار ولا عافية ولا عيش رغيد فتصدر الإرهاب وترسل المواد الفاسدة وتنشر ثقافة الكوكائين والمخدرات وعصابات عبثت بتراث الوطن ومقدرات الشعب .ونحن نتساءل ما الذي تحتاجه الدولة العراقية لرسم ملامحها الحقيقية ؟

هل هي مهمة السلطة الحاكمة المتمثلة بالنظام السياسي في البلد والتي تعكس مكونات الشعب العراقي , وعلما إن السلطة الحاكمة في العراق بشقيها التشريعية والتنفيذية هي سلطة توافق وليست سلطة استحقاق , وطالما هي كذلك فان مسؤولية رسم ملامح الدولة العراقية ورفع هيبتها هي مسؤولية جميع مكونات الشعب العراقي ,داخل البرلمان وخارجه , مدنية ودينية سياسية واجتماعية . وان الإحساس بالانتماء للوطن هو الشعور بالترابط والتضامن لهذا الوطن الذي يشكل الحاضنة الحقيقية لمكونات ومقدرات وحقوق الشعب عامة . وان دعم العملية السياسية من قبل فئات المجتمع عامة, والقوى السياسية والدينية خاصة , من خلال رفع الوعي السياسي والاجتماعي والحسي لدى المواطن العراقي وشعوره بالانتماء الروحي والشرعي والقانوني لدولة العراق يؤدي إلى دفع العملية السياسية إلى التطور والنضوج والى تقليل الأخطاء الحاصلة في الشارع اليومي التي تشكل بمجموعها حوادث تقلق الشأن السياسي وتعطل مسيرة الدولة و تؤجل مشاريع حكومة الوزارات من تنفيذ خدمات مهمة تعود بالنفع على الصالح العام .

وان تفعيل قانون مكافحة الإرهاب و تفعيل دور القضاء العراقي و محاسبة المسيئين للدولة العراقية من انتهازيين ومفسدين لمقدرات وأموال الشعب العراقي و تقديمهم إلى العدالة وإعادة هيبة الدولة العراقية هي من الواجبات الضرورية لبناء دولة القانون , وذلك من خلال مساهمة المواطن العادي في تحمل المسؤولية العامة وتقرير مصيره من خلال تحديه لكل مظاهر الجهل والخوف وتجاوزه لكل الخلافات الطائفية التي تساهم في تشويه النسيج الاجتماعي وتهشيم صورة الوطن . ومن خلال تلك المعطيات يستطيع الفرد العراقي مع المؤسسات المدنية والدينية والسياسية أن ترمم صورة الدولة العراقية وتعيد رسم ملامحها من خلال نشر الوعي ورفع روح المسؤولية من خلال الخطاب السياسي والاجتماعي والإعلامي بكل قنواته المسموعة والمقروءة وان دفع العملية السياسية الوطنية الحالية في العراق والالتفاف حولها لا تعني نجاح للمالكي أو الائتلاف , بل هو نجاح لكل العراق والعراقيين وان السلطة القائمة بكل مؤسساتها هي جزء من العراق وشعبه وان رسم ملامح الدولة العراقية هي مسؤولية شرعية وأخلاقية وتاريخية تقع على الجميع دون استثناء.

0 views0 comments