مارثون المرشحين في انتخابات المحافظات العراقية

تمثل الانتخابات بشكلها المعاصر شكل من اشكال الديمقراطية التي تمارس باساليب وسلوكيات قانونية منضبطة تحتكم لمبدأ النزاهة والشفافية وتعتمد على كفاءة المرشح وبرنامجه الانتخابي في المجالات السياسية والاقتصادية والادارية والامنية والثقافية , وان مفوضية الانتخابات عادة تكون مستقلة ومسؤولة على نزاهة وسير الانتخابات . وللمفوضية ضوابط وشروط تضعها على المرشح واهمها السمعة الحسنة والنزاهة والكفاءة .. والسؤال هنا هل فعلا تم تفعيلها هذه المعايير وتجسيدها على الواقع ؟


وقد اثبتت التجربة السياسية في السنوات الخمس الماضية ان هناك فشل وفساد اداري ومالي في اغلب محافظات العراق وهناك ترهل وعدم كفاءة ادارية لادارة خدمات المحافظات وأعادة بناها التحتية من خلال تكدس الاموال واعادتها الى خزينة الدولة دون صرفها في مجالات خدمية , والسبب هو عدم توفر الكفاءة الادارية في التعامل مع مؤسسات المحافظة ومشاريعها الاعمارية المختلفة , وكذلك لم تكن اغلب مجالس المحافظات في مستوى الطموح للشعب العراقي من حيث النوع والجودة والناخب يتطلع الى خدمات افضل وتحسن امني وانتعاش وتنمية في المجال الاقتصادي والبشري.


وان اغلب المرشحين الذين جاءو الى مقاعد مجالس المحافظات هم مرشحين عن أحزاب وكتل سياسية , مما ترك الاثر السلبي لدى الناخب البسيط الذي فقد الثقة بهؤلاء المرشحين المنحدرين من احزاب وتحالفات سياسية, وفي هذه الانتخابات بدأت الاحزاب بالتكتيك والألتفاف على الناخب من خلال زج المرشحين باسماء وقوائم مستقلة دون الاشارة الى اي انتماءاتهم وخلفياتهم الحزبية . ولكن سرعان ما أدرك الناخب تلك التكتيكات والمراوغات السياسية التي تريد منه حصد صوته عن طريق الوعود والعهود الأحلام وبهذا السلوك تفقد تلك الاحزاب شعبيتها ومصداقيتها في الشارع السياسي .


وبالرغم من اهمية انتخابات المحافظات بسبب تمتع المجالس بسلطة اللامركزية في ادارة شؤون المحافظات من خلال التعيين والاقالة لاهم المناصب الرسمية في مؤسسات الادارات المحلية الحكومية حيب ما جاء به قانون المحافظات الذي اقر في حزيران 2008 , الا ان الكم الهائل من المرشحين في المحافظات الاربعة عشر تجاوز العدد الغير معقول 14300 مرشح يتنافسون على 440 مقعد حسب تصريح رئيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات فرج الحيدري .


ومع الاسف يبدو ان المفوضية تستأنس لهذا الكم الهائل من المرشحين وبالذات تبتغي من وراءه حصد ملايين الدنانير العراقية فكل مرشح عليه دفع رسم الترشيح 25 مليون دينار عراقي , وهذا الخليط الشائب والشائك والغير معروف للناخب يضيع فرصة الاختيار الصائب للكفاءة والنزاهة ويفقد الانتخابات قيمتها وماهيتها ويفرغها من فحواها ويسبب في فساد ورماد لكل مؤسسات الدولة العراقية المحلية .


وفي بغداد وحدها 2482 مرشح يتنافسون على 57 مقعد وفي الناصرية 1300 مرشح يتنافسون على 31 مقعد وهذه الاعداد حقا مدعاة للسخرية وليس للديمقراطية الحرة , ويبدو ان ترجمة الديمقراطية معكوسة تماما , فالمرشحون يشبهون عدد الصحف العراقية التي لايستطيع المواطن التعرف عليها او قراءتها بعام , وأن كل فوضى تسبب ازدحام في التفكير وتشويش في العقل .


علما ان توزيع الاصوات على تلك الاعداد الهائلة يخضع لمؤثرات وتاثيرات مختلفة منها قبلية ودينية ومناطقية ومحسوبية وعلاقات, دون النظر الى" قيمة المرشح واهميته وامكانياته الادارية " وقد ذهب البعض من المرشحين للتاثير على الناخب من خلال شراء صوته بالاموال ومغريات رخيصة وقطع والوعود والعهود الفارغة , وان البعض ضمن صوت الناخب مسبقا من خلال جره الى القسم , وهذه ظاهرة تفسد الحياة الديمقراطية وتقطع مسيرتها , لانها سابقة خطيرة جدا تتحمل جزء منها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لانها لم تضع معايير وضوابط صارمة تنظم وتقنن من هذا الحجم الهائل والفوضى العارمة .


وان المرشح في الأنظمة الديمقراطية المتقدمة يملك برنامج متكامل مع فريق عمله ضمن حملة انتخابية منظمة ومرتبة يطرح تصوراته ورؤاه وحلوله لكل المشاكل والعقبات السياسية والاقتصادية والامنية التي تعترض المدينة أو المحافظة أو المقاطعة , ويمارس المرشح نظام الاتصال السياسي المباشر من خلال الخطاب السياسي المقنع والمؤثر الذي يجعل الناخب مطمئن على صوته ومستقبله دون اي تأثيرات جانبية , واضعا مصلحة الوطن والمحافظة فوق كل الاعتبارات . ويذهب المرشح الى تنظيم حلقات نقاش ومناظرات الى الناخبين لكي يصل صوته الى عقل الناخب والى ابعد نقطة في المدينة عبر وسائل الاعلام المتعددة ومن خلال الاتصال المباشر على مسارح مفتوحة كما تجري في بلدان اوربا .


وهناك استطلاعات عراقية للرائ العام تثبت ان اغلب الناخبين لايعرفون المرشحين ولم يتعرفون عليهم ولا على برامجهم ان كان لديهم برامج , والعبرة ليس في الذهاب الى صناديق الاقتراع , بل في الاختيار الصائب للمرشح الكفوء والنزيه الذي يخدم المصلحة العامة والوطن والمواطن وتحقيق الحد الادنى من طموحاته وتطلعاته. ونحن كغيرنا من دعاة الديمقراطية وبناء المجتمع المدني وتفعيل ممارسة الانتخابات وتداول السلطة بشكل سلمي , ولكن بصورة منظمة ومنتظمة تخدم المجتمع وتقدمه وتدعم مسيرته السياسية من خلال تثقيف الجماهير على ممارسة الانتخابات وطرح الثقة في المرشح الكفوء والنزيه من خلال النظر الى مسيرته وعمله وتحصيله العلمي والعملي وليس لانتماءه الحزبي والطائفي والعرقي .

0 views0 comments