لون الدم في المشهد العراقي


أصبح الدم لغة المشهد العراقي الحاضر والقتل خبز العراقيين الذي يفطرون عليه في الشوارع و الطرقات وعلى طوابير الخبز ومحطات الوقود وفي صلاتهم في المساجد . وان مآسينا تجاوزت حدود النفس والصبر والسلوان وأصبحت تغطي أحداهما على الآخر , وإن المشهد العراقي اليوم لا يعرف غير لغة القتل المنظم القتل بطابعه المأساوي المزمن . والقتل كما يبدو ليس لزمن محدود ثم يستعيد المشهد العراقي حياته الطبيعية الآمنة ” وأنا هنا ليست متشائما” ولكن الوقت يتسارع والأحداث الإجرامية تتسارع أكثر وخطا الموت تسبق الأحداث والعلاج معطل لهذه الظاهرة , منذ سقوط الصنم إلى هذه اللحظة والمشهد العراقي أصبح الدم لونه الأوحد ولغة القتل هي الغالبة دون أي مبالاة لإعادة الحياة له وزرع الأمن في أروقته ودحر خفافيش الليل وجحوش النهار المتحدية للإرادة العراقية بكل مكوناتها , حيث يتجاوز عدد الشهداء الذين يسقطون يوميا المئة , واغلبهم” الفقراء ” الذين هم في كل زمان ومكان يدفعون ضريبة ” الأقوياء والمتصارعين “. لماذا كل هذا القتل وسفك الدمار بحق الأبرياء ؟ لماذا تعمى أبصار العالم عن رؤية الابادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب العراقي المظلوم يوميا ؟ ان الدمار والقتل والدم النازف في المشهد العراقي الحاضر اثقب ذاكرتنا المتحررة من القسر الإعلامي الذي مارسته علينا أنظمة القهر بالوعيد والتهديد طيلة العقود الماضية , وان ثقافة القتل اليومي الذي يتعرض له المئات من العراقيين بحوادث مختلفة منها القتل على الهوية والتصفياة السياسية والجسدية وتهجير العقول قسرا وتعطيل العملية السياسية الجارية بوضع العصي في عجلتها من اجل صبغ المشهد العراقي بلون واحد يشبه الثقافة الواحدة والفهم المغلوط الواحد والعقل الواحد , لقد غيرت تلك المشاهد قيم الشارع من خلال زرع الخوف بأي نقطة او بقعة او على رصيف او في سيارة مفخخة . لقد أصبح للدم شهوة كبيرة في المشهد العراقي وحتى أغاني الفيديو كليب العراقية ترى لون الدم حاضرا بها ( العاشق يقتل غريم حبيبته ثمن لخيانتها له) , وقناة الشرقية خير مثال- حيث تعرض أكثر من مسلسل رمضاني ويبدأ العرض في وقت الإفطار ورائحة الموت ولون الدم تنبعث من كل مشهد وكان المشهد العراقي لا يعرف غير لغة الموت ولون الدم ورائحة الجثث ,أن ابتسامات الصبايا وضحكات الأطفال تخطف كل يوم وتؤد في شوارع بغداد يوميا , أوراقهم تتناثر على أرصفة المدارس وأشلائهم تفترش الشوارع وصراخ النساء الثكالا تملئ المستشفيات , قوافل من النعوش تغادر البيوت باتجاه المقابر لترقد قرب امامها المظلوم المخضب بالدماء تتذرع إلى ربها وتطلب الشفاعة . وفي ظل هذه المشاهد المروعة وهذه الصورة الدامعة يحاول الإعلام الدولي والعربي اختزال تلك الأحداث البشرية العظيمة المروعة إلى مجرد أخبار عابرة على نشراتهم الإخبارية مكتفين بصورة واحدة أحيانا دون الخوض في تفاصيلها المروعة من اجل تعطيل الذاكرة البشرية وتكميم الرأي العام وذلك بإخراج الأحداث العظيمة عن سياقها التاريخي , وانهم لا يكترثون لهذا المشهد التراجيدي الجنائزي حيث أن العالم منشغل بمصالحه القومية الذي يعتبر العراق هو المسرح الحقيقي لتصفية حساباته. وكذلك هناك قوى سياسية داخلية تريد خلط أوراقها من خلال المزيد من نزيف الدم وزهق الأرواح من اجل تعطيل وتأخير العملية السياسية بل وإفشالها ليتسنى لها النهوض فوق ركام الآخرين وهي واهمة جدا لان الغبار سيطال الجميع . والمواطن العراقي البسيط هو من يدفع فاتورة الحسابات , هل المصالح الحزبية والفئوية الضيقة والاستيلاء على السلطة أسمى من الإنسان , هذا الإنسان الذي فضله الله على كل المخلوقات وان حرمته عند الله أعظم من حرمة الكعبة الشريفة , ومن خلال متابعتنا لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة نستبشر خيرا حين يظهر لنا الدكتور موفق الربيعي بين فينة وأخرى بإخبار مفادها بان القوات الأمنية ألقت القبض على احد الجحوش المتاسلمة بلحية كثيفة ويدعى باسم صحابي جليل . ونحن نتسأل أين مصير هؤلاء الم يكشف مصيرهم للإعلام والمواطن العراقي؟ أين القضاء العراقي من القصاص بحق هؤلاء ؟. إن مشهد الأحداث اليومية في الشارع العراقي يدلل بأن هناك أيادي خفية تريد تغيير المعادلة السياسية وأن يبقى لون الدم حاضرا في المشهد العراقي وتحويل الشارع إلى فلتان امني من خلال ترهيب الناس وزرع الخوف في كل زاوية من زوايا البلد ظنا منهم أن تتراجع مسيرة بناء العراق الجديد , وهم يقنعون أنفسهم بان الحرب على العراق كان خطا الإدارة الأمريكية وهي نادمة بل هو العكس هي الحسنة الوحيدة التي كسبها العراقيين من تلك الحرب هي سقوط وزوال النظام البعثي الصدامي رغم الدماء التي روت أرضه والقرابين التي نحرت من قبل العقول المتحجرة والفكر المشوه . إلا إننا نتأمل بعودة الحياة للمشهد العراقي. مشهد آمن خالي من لون الدم . آملين من جميع القوى السياسية أن تتحرك بطرح فكري مرتب في كل ما يتعلق بأحوال الناس اليومية وان تتقاسم المسؤولية الوطنية اتجاه أبناء العراق والمساهمة ببناء العراق سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا من خلال الخطاب السياسي الواعي والبرامج التثقيفية التي تدفع بالعملية السياسية إلى الأمام وان نجاح التجربة السياسية في العراق هو نجاح لكل القوى السياسية وإتاحة الفرصة إلى التنافس السياسي الشريف من اجل تأسيس مجتمع حضاري تتعانق تحت فضاءه كل مكونات المجتمع المختلفة. والانتظار على أرصفة الشارع السياسي من قبل التيارات والأحزاب والمنظمات السياسية والنزول قبيل الانتخابات لانتزاع الصوت من قبل المواطن البسيط بدغدغة عواطفه بالاتجاه الذي ترغب إليه. ستكون مسائلة كبيرة من قبل المواطن لتلك الكيانات, وهذا السلوك لايمكن أن يؤسس علاقة واعية وطيبة بين السياسي والمواطن ولا يحقق الأمل بتغيير المشهد العراقي اليومي من لون الدم إلى لون الثلج.

0 views0 comments