تجاوز الاستحقاق الانتخابي مصادرة لإرادة الناخب العراقي

بعد أن أسدل الستار على الانتخابات البرلمانية في 7/3/2010 والتي أسهمت بدورها بخلق حالة من الحراك السياسي الايجابي القابل للتطور والنضوج بين المكونات السياسية وحالة من التفاعل الشعبي بين أبناء الشعب العراقي. وبآمال معلقة بعبور المحنة وعيون ترتقب الفرج من الكرب السياسي المأزوم الذي رافق العملية السياسية السابقة نتيجة قصر النظر السياسي وضعف البصيرة لبعض الساسة والأحزاب التي نحرت الوطن والمواطن على قبلة النزاعات والصراعات والتجاذبات. واليوم يتطلع الشارع العراقي بكل مكوناته إلى نتائج الانتخابات رويدا رويدا من النتائج الجزئية والتسريبات الإعلامية إلى النتائج الأولية ثم تليها النتائج النهائية بفارغ الصبر والحذر. وستفرز نتائج الانتخابات كتلة سياسية فائزة بأغلبية وهناك قوى فائزة بالمرتبة الثانية والثالثة وأخرى رابعة وخامسة, وهناك قوى لم توفق في حظوظها مع الشارع السياسي لعدة أسباب تستطيع معرفتها.


والانتخابات محطة مهمة في العملية السياسية ونتائج الانتخابات تمثل الفيصل الذي يحدد بوصلة التجربة الديمقراطية في العراق الجديد. وهناك أعراف سياسية أكد عليها المشرع السياسي والقانوني في الأنظمة السياسية المعاصرة, وهي مجموعة من القيم والقوانين في منظومة المجتمع الديمقراطي والتي من خلالها تخضع التجربة الديمقراطية إلى مخاضات ترسمها محطات متعددة كالانتخابات التي تفرز حكومة مختارة لدولة معينة وهي تأخذ على عاتقها زمان أدارة الأمور السياسية والاقتصادية والأمنية وعلى الأحزاب والقوى السياسية المشاركة بمحطة الانتخابات أن تؤمن بمشروع تداول السلطة وتؤمن بأن الانتخابات تفرز فائزون وآخرون خاسرون وعلى المتقدم أن يتمتع بموقعه الطبيعي في تصدره وتصديه لمهمة تشكيل الحكومة الجديدة على أساس الاستحقاق الانتخابي. وهذا الاستحقاق يمثل ثمرة حصاد جهود تلك القوى ومدى تقاربها من الشارع السياسي في برامجها وسلوكها ومصداقيتها. وهناك تجارب عالمية كبيرة مرت بها المجتمعات الغربية المتحضرة والتي تتخذ الديمقراطية منهج أساسي في سلوكها السياسي الانتخابي. والالتفاف على تلك القيم والضوابط والقوانين تحت مسميات عديدة يراد منها الالتفاف على مفهوم الديمقراطية الوليدة, وعلى صناديق الاقتراع ونتائجها وبالتالي مصادرة لإرادة الناخب قبل أن تصادر حقوق القوى السياسية الفائزة.


والانتخابات البرلمانية العراقية هي الثانية منذ سقوط النظام الصدامي الدكتاتوري, وهذه الانتخابات نتاج مخاض عسير مرت به التجربة السياسية الجديدة في العراق بعد أن تركت تداعياتها المريرة على الشارع السياسي مما كلفه الكثير من الدماء وانعدام الأمن وتردي الخدمات. وقد خلفت التجربة إحباط شديد لدى الشارع وأزمة ثقة كبيرة بين المواطن والمؤسسة السياسية. ورغم كل تلك المساوئ التي رافقت العملية السياسية, إلا أن المواطن العراقي أصر على المشاركة الواسعة التي بلغت أكثر من 12 مليون ناخب أي ما يعادل 62% وهذا رقم إيجابي بالنسبة للأسباب السابقة. إضافة إلى الجهد الكبير الذي بذلته المفوضية المستقلة للانتخابات والأموال الطائلة التي صرفت من المال العام من أجل خلق مناخ انتخابي يستوعب الجميع دون استثناء. وتحشيد الكم الهائل من الموظفين والمراقبين المحليين والدوليين, من أجل أبراز تجربة انتخابية ناجحة في بلد يخضع إلى تجربة ديمقراطية جديدة. والغرض من تلك الجهود هو تشكيل حكومة واضحة وصريحة أمام أنظار العالم المتمدن ومن خلال تجربة الديمقراطية وعبر صناديق الاقتراع. وهذا أقل شئ يقدمه العالم الحر والقوى السياسية العراقية ثمناً إلى الشعب العراقي المظلوم الذي عاش منذ فجر التاريخ غربة داخل الوطن وتشظي في هويته الوطنية. واليوم الناخب العراقي يطالب المجتمع الدولي والقوى السياسية إلى تجسيد كل المفاهيم والقيم الديمقراطية على الواقع العملي الملموس ومن خلال إيمان الخاسر بالهزيمة وفسح المجال للفائز بمزاولة عمله السياسي من خلال الاستحقاق الانتخابي الذي جاءت به صناديق الاقتراع.


والشعب العراقي غير مستعد أن يتحمل تجربة فاشلة جديدة بتشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة ديمقراطية توافقية أو شراكة على أساس التمثيل النسبي للمكونات أي (المحاصصة) من أجل أرضاء دول الإقليم الضاغطة, أو بعض الدول التي تريد أن تجهض ثمرة التجربة الانتخابية وتشوه مراحلها وتصادر جهود الناخبين عن طريق نسخ التجربة اللبنانية في العراق, من خلال توزيع الأدوار والكراسي على أسس طائفية وعرقية. وعند تجاوز الاستحقاق لدى البعض وعدم الاعتراف بنتائج الصناديق أو ركن النتائج والجنوح إلى تشكيل الحكومة بالتراضي. سيكون هذا السلوك السياسي هو احتيال على أرادة الناخب ومصادرة حقوقه. وهنا نريد أن ننوه بحذر شديد إلى غضب الشارع العراقي من التلاعب بمصيره وبإرادته, الشعب الذي تحدى كل المخاطر وجازف بإدلاء صوته وغمس أصبعه باللون البنفسجي, وأستطاع أن يميز الكيان السياسي الذي يبحر به إلى شاطئ الأمان ويعبر به من النفق المظلم إلى ضوء النهار. يستطيع أن يسحب الثقة من الحكومة من خلال ثورة بيضاء عارمة أو عصيان مدني لان الدستور ضمن له هذا الحق في المادة الخامسة والتي نصت على أن (السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية) وهذا النص يخول الشعب بقلب الطاولة على الذين يتلاعبون بمصيره.

0 views0 comments