تأثير الظاهرة الحزبية على مؤسسات الدولة العراقية


أن الظاهرة الحزبية في العراق تاريخيا بدأت في بداية تشكيل الدولة العراقية الحديثة عام 1921 , ومنذ ذلك التاريخ تشكلت مئات الأحزاب , حيث مرت تلك الأحزاب بصراعات طويلة أدت إلى تآكل واندثار الكثير منها وأصبحت في ذمة التاريخ , بينما بقيت أحزاب أخرى تمارس دورها السياسي لهذه اللحظة ولها حضور فاعل في الساحة السياسية العراقية . وظاهرة الأحزاب هي ظاهرة صحية في مضمونها للمجتمعات النامية والمتقدمة لتشكل حجر الزاوية في العملية السياسية وصمام أمان وضمان للتجربة الديمقراطية , من خلال الرقابة التي تهتم بها الأحزاب المعارضة داخل وخارج البرلمانات . وان الأحزاب العراقية حديثة العهد تشكلت نتيجة ظروف العراق الحتمية من خلال ممارسة نظام حزب ألبعث الحاكم واعتماد سياسة الإقصاء والتهميش وإلغاء الآخر , تلك الظروف أدت إلى نشوء الكثير من الأحزاب وتكوينها السياسي , حيث مارست تلك الأحزاب الموجودة اليوم على الساحة السياسية العمل السياسي السري سوى داخل أو خارج العراق نتيجة الملاحقات البوليسية المخابراتية لها والتصفيات الجسدية التي مورست ضد أعضائها , و أبعادها عن دورها الحقيقي في ممارسة الحكم من خلال دستور يضمن تداول السلطة في البلد أو العمل التنظيمي الجماهيري على الساحة السياسية العراقية الداخلية , مما دعا تلك الأحزاب إلى مغادرة الوطن والعيش في منافي الدول المجاورة والدول الغربية . و أن بعدها عن العمل السياسي والإداري جعلها تشيخ وتتعكز على أرضية المناظرات والاجتماعات والمناقشات , التي لا تخضع إلى ممارسات سياسية ميدانية أو إدارية . وان ظروف المنافي القاهرة جعلها تصارع الزمن من اجل أثبات وجودها وديمومتها , وبعد حرب الخليج الثانية أو ما تسمى (عاصفة الصحراء) وما تركته تلك الحرب من تداعيات داخلية أدت إلى انفجار الوضع الداخلي وقيام الانتفاضة الشعبانية (1991) ونتيجة الممارسات اللا إنسانية والغير مسئولة التي مارسها نظام حزب البعث السابق على الشعب العراقي بكل أطيافه من الشمال إلى الجنوب .من بطش واعتقال جماعي وقتل وتعذيب , مما دعا الكثير الى مغادرة الوطن هربا من البطش والقتل , وفي تلك الظروف فعلت الأحزاب نشاطها السياسي بعقد مؤتمراتها الوطنية واحتكاكها بالعراقيين في المنافي وتنظيم أغلبيتهم في تلك الأحزاب , وبعد وصول الأحزاب العراقية ذروتها في زمن المعارضة من خلال انتباه القوى الدولية الكبرى لها كأمريكا وبريطانيا. باعتبارها ورقة سياسية رابحة ونقطة ضغط على نظام صدام الغير مرغوب في المنطقة , فقد لامست تلك الأحزاب شعاع الشمس وانتعشت اقتصاديا وإعلاميا بعد أن ضاقت ذعرا من فقر الحال والضغوط السياسية الإقليمية والدولية التي مورست ضدها لأكثر من عقدين من الزمن . وبعد سقوط النظام ألبعثي الحاكم عام ( 2003) ودخول أمريكا للعراق كقوة احتلال بقرار من مجلس الأمن الدولي أو برفع شعار تحرير الشعب العراقي من سطوة النظام الدكتاتوري , أخذت تلك الأحزاب بالتمدد أفقيا على سطح الوطن , وملامسة الواقع السياسي من خلال فتح مكاتب لها في جميع المحافظات العراقية والاقضية والنواحي ,ناسية كل الشعارات الوطنية التي كانت تتصدر صفحاتها عندما كانت بموقع المعارضة حيث كان المواطن هو مصدر عملها وقضيتها التي تناضل من اجله ولكن للأسف نرى العكس . وقد دخلت أغلبية الأحزاب مرحلة العمل السياسي العملي الواقعي والميداني من خلال تشكيل (مجلس الحكم ) الذي شكلته سلطة الاحتلال , حيث أصبحت رئاسته بالتناوب بين زعماء تلك الأحزاب , بعد أن برزت أحزاب أخرى عراقية سميت ( أحزاب الداخل) وبعد مخاض عسير وصراع مرير وتحديات جمة شهدها الشارع العراقي ودفع ضريبتها المواطن العراقي على كافة المستويات , حياته , ودمه , وقوته اليومي . وبعد ذلك تم تشكيل ثلاثة حكومات مؤقتة برئاسة الدكتور أياد علاوي وحكومة انتقالية برئاسة الدكتور إبراهيم الجعفري وحكومة دائمة برئاسة الأستاذ نوري المالكي التي تشهد لهذه اللحظة تحديات تهدد الدولة العراقية برمتها شعباً و مقدرات. وقد انتهجت سياسة الأحزاب العراقية التي شكلت بمجملها العملية السياسية الحديثة في العراق نظام المحاصصة , حتى دخلت تلك الظاهرة جميع مفاصل الدولة , وقد جاءت نتائج تلك العملية ثمار سلبية للغاية انعكست على مؤسسات الدولة العراقية . حيث فقدت الدولة من خلال تلك السلوكيات هيبتها الإدارية والرسمية وقد تكاد تتلاشى ملامح الدولة المثالية التي يخضع جميع مكوناتها لسيادة القانون , وقد افرز ذلك الخليط الحزبي المتعدد والمتنوع ظاهرة المليشيات المسلحة التي تعود لتلك الأحزاب التي تقاسمت مؤسسات الدولة ومفاصلها المهمة . والكثير من مؤسسات الدولة خضعت برمتها إلى حزب واحد أو حزبين , وأصبحت قرارات الوزارة أو المؤسسة بيد الحزب وليس بيد سلطة الدولة التنفيذية . وقد تم تقسيم تلك المؤسسات إلى تقسيم غير عادل و غير خاضع للكفاءة العلمية والعملية , ولكنه خضع للانتماء الحزبي والمحسوبية والمنسوبية التي قربت المنسب والمنتسب وهذا منافي لكل ما جاءت به طروحات تلك الأحزاب عندما كانت في موقع المعارضة . وهذا السلوك أحدث إرباك وتعطيل كبير للعملية السياسية والإدارية في العراق وزادت من الاحتقان السياسي والطائفي . وبالنتيجة سببت تلك الممارسات إحراجا كبير إلى سلطة الحكومة المتمثلة برئاسة الوزراء. وان تلك المظاهر التي انتشرت في مفاصل الدولة شكلت تحديا كبيرا لنجاح حكومة دولة رئاسة الوزراء المكلفة من قبل البرلمان العراقي , التي ستحاسب من قبل البرلمان العراقي عن أي تقصير يحدث في عمل الحكومة , وبالتالي فهو معني أكثر من غيره بعملية التغيير الذي سوف يمهد له ويعمل عليه في الأيام المقبلة ونرجو أن يكون هذا التغيير يشمل اصغر مؤسسة في الدولة العراقية حيث تضع ضوابط قانونية للحد من انتشار ظاهرة التحزب أولا وظاهرة الفساد الإداري الذي جاء نتيجة طبيعية من قبل تلك الأحزاب التي تريد أن تسوق نفسها في الانتخابات المقبلة بأموال الحق العام , وعلى الكتل السياسية التي تضم أغلبية الأحزاب أن تجنح إلى القانون وان لا تفقد بريقها في الشارع العراقي ولا تفقد مصداقيتها اتجاه ناخبيها في تنفيذ الكثير من العهود والوعود التي قطعتها على نفسها من اجل خدمة المواطن العراقي وليست خدمة أعضاء الحزب وقواعده , وعليها أن لا تعول على مصالحها الضيقة , وان تعيد النظر في أهم مكون من مكونات الدولة الرئيسية وهو الشعب. ومن الجدير بالذكر أن اغلب الأحزاب لم ولن تمارس دورها السياسي في عملية نشر الوعي السياسي والثقافي من خلال الندوات والمؤتمرات , ولن تكشف عن برامجها السياسية والاقتصادية , سوى الأحزاب الليبرالية أو الإسلامية . وان تعدد الأحزاب بتعدد إيديولوجياتها واغلبها تزعم إنها تملك الإيديولوجية الأساسية لقيم المجتمع العراقي , علما أن دور الأحزاب في اغلب دساتير العالم تبقى محصورة في منظومة المجتمع المدني السياسي . حيث تكون الرقيب والضمير على مقدرات الشعب . وان في اصل المجتمعات هو المواطن أولا والمؤسسات الحكومية ثانيا , والتي تشكل بمجموعها هيكل الدولة . وان قدرة الدولة وهيبتها مرهونة على الطريقة التي تنشا بها مؤسساتها ,وعليها أن تكون تلك المؤسسات معبرة وملبية لخدمة المواطن وان الإخلال في تلك المكونات سيكون مصير الحكومة التي تمثل سيادة السلطة في الدولة الإخفاق والتعثر .وان ظاهرة الأحزاب في مؤسسات الدولة والتي عانت وتعاني منها الحكومة العراقية هي ظاهرة خطيرة للغاية , تؤثر على هيكل بناء سياسة الدولة العراقية الجديدة . وتشتت الولاءات الوطنية والابتعاد عن حرمة العمل الوظيفي وخوفا أن لا تصبح دولة العراق الجديد دولة أحزاب وطوائف بدل أن تكون دولة مؤسسات ودولة قانون , وعلى سلطة الحكومة الحالية , اعتماد سياسة القوة والحزم والعزم في تنفيذ أوامرها وإصلاح ما أفسده الدهر منها , والإسراع الجاد في ترميم الصدع الحاصل في مؤسسات الدولة العراقية , وإبعاد وعزل مظاهر التحزب عن العمل الوظيـــفي وإبدال الولاء الحزبي إلى الولاء للوطن , والإخلاص والتفاني للشعب

0 views0 comments