انسحاب حزب الفضيلة – خطوة جريئة وقرار شجاع

إن بيان الانسحاب الصادر من حزب الفضيلة الإسلامي من كتلة الائتلاف هو قرار شجاع مبني على أسس واعية لخطورة الوضع السياسي القائم , ومصحوبة بضمير الصحوة التي نأمل أن تطال كل القوى السياسية التي تعمل من اجل بلورة العراق الجديد وصنع مستقبله , والتي تطمح أن تؤسس دولة القانون وليست دولة أحزاب وكتل تتناحر وتتقاتل فيما بينها , وان انسحاب حزب الفضيلة ليس كما يصوره البعض ضربة لكتلة الائتلاف ولا شرخا في البيت الشيعي , ولكن انسحابهم جاء لضرورة وطنية ملحة , لان الكيانات خلقت حالة من الانشقاق في الصف الوطني والتناحر الطائفي حيث تخندقت اغلب الكتل السياسية بالخندق الطائفي الذي اضر العراق وأنهك أهله وأزهق أرواح أبناءه من الأطفال والنساء والشباب والشيوخ , وان ابرز ما جاء في البيان نقاطه الجوهرية الثلاثة التي تبرهن على مستوى الوعي الذي تتمتع بها النخبة القيادية في حزب الفضيلة وعلى رأسهم الأب الروحي للتنظيم المهندس آية الله الشيخ محمد اليعقوبي . وإذ فعلا يريد هذا الحزب أن يمارس دوره السياسي والتعبوي في العمل الميداني , فعليه الإفصاح والبرهنة على أن هناك مشروع وطني يتبناه الحزب , وبرنامج عمل سياسي واسع وشامل على جميع الأصعدة والميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية يسعف به العراق وأهله ويفك عنه الاختناق والتوتر السياسي والطائفي الحاصل , وينفتح على كل مكونات الشعب العراقي شيعة وسنة على حدا سوى , وان يكون بادرة خير على كل الأحزاب والقوى السياسية المتخندقة . وبالتأكيد سيكون لهذا الحزب حضور واسع وتأييد كبير بين كل مكونات الشعب العراقي , إذا سعى إلى هدفه في أعادة نسيج خيوط الترابط الوطني بين مكونات الشعب العراقي الاجتماعية والسياسية , ونحن نبارك له هذه الخطوة الجريئة وهذا القرار الشجاع و الصائب بالاتجاه الصحيح , وعلى الحزب أن لا يترجم خروجه انشقاقا ذو أبعاد شخصية ومصالح ضيقة مبنية على أسس المنفعة ! وهو الذي عرف عنه بحياده ووطنيته وطرحه السياسي العاقل والمسالم , بدليل عدم امتلاكه مليشيات مسلحة تربك العمل السياسي والاجتماعي في البلد. ونحن نتطلع إلى وعي سياسي لدى المواطن العراقي يتبلور باتجاه الإحساس الوطني , وان يترفع ويرتقي فوق كل المساومات الرخيصة التي تحول دون تقدمه في ظل التسابق العلمي والاقتصادي التي وصلت له البلدان والشعوب المتطورة والنامية , وان مهمة ومسؤولية هذا الوعي يقع على عاتق الأحزاب والمنظمات والتجمعات التي تشكل بمجملها العملية السياسية . صحيح أن السياسة كما تعرف منذ زمن أرسطو هي نظريات , ولكن السياسات هي عمل ميداني وممارسات تطبق على ارض الواقع , واقع المجتمعات والشعوب , وان تتمتع تلك الممارسات بمصداقية عالية تستطيع من خلالها أن تخلق حالة من الثقة لدى المواطن , يتجاوز من خلالها الصراعات والنزاعات الطائفية والمذهبية والقومية , التي تعمل على خدش المجتمع وتفتته نتيجة تداعيات و افرازات الأحداث والأزمات . وان أي ظاهرة أخلاقية سيئة تحل في المجتمع على كل الأصعدة والميادين كالفساد الإداري و اضمحلال الضمير الإنساني الوطني وتهافته , دليل على تردي العمل السياسي والنفاق الإعلامي لمؤسسات الأحزاب التي تشكل بمجملها العملية السياسية في البلد . وان من أولى بوادر فقدان المشروع السياسي الوطني هو أزمة الثقة التي تحصل بين المواطن وبين المؤسسة السياسية , وبالتالي يتعرض المشروع السياسي إلى ابتذال واهتراء , يعيد البلد إلى نقطة اللاعودة , وربما تلجئ الكثير من القوى السياسية إلى شراء الذمم والأصوات بالمال الرخيص وحسب من يدفع زايد !! وسيكون الفرد والمجتمع معرض للشراء المادي من قبل قوى معادية للبلد , وبهذا ساهمت الأحزاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هدم المجتمع بدلا من بناءه وإنضاجه وهي غاية التنظيمات والأحزاب بالمفهوم السياسي. وان الأحزاب التي تشكل في المجتمعات التي تحتوي على أكثر من مكون اجتماعي وديني أن تبتعد عن سياسة التكتلات والتجمعات بالاتجاه الضيق والفئوي لكي لا تقتل الإحساس بالوطن وقيمة الانتماء الروحي له , وان تساهم في تهيئة مناخ اجتماعي وسياسي ملائم لها أولا ولأفراد المجتمع ثانيا من خلال إعداد برامج إعلامية وسياسية ترفع بها جميع الحواجز التي تحول دون وحدة الوطن , وخلق ورشة عمل سياسية كبيرة تحاول من خلالها ترميم ما تصدع من تلك الوحدة وان تصهر في بودقة صفوفها كل مكونات المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والمذهبية . واليوم ونحن نتحدث عن العراق في مناسبة صحوة ضمير حزب الفضيلة وانسحابه من الاصطفاف الطائفي , واللجوء إلى مشروع وطني , يستطيع من خلاله ممارسة خصوصيته السياسية والحزبية , والعراق اليوم يحتاج أكثر من أي وقت آخر إلى قوى وطنية تلملم جراحه وترمم صدعه , وذلك لا يأتي إلا من خلال نشر الوعي السياسي والوطني والإحساس بالوطن . وعلى كل القوى الوطنية الشريفة التي تطمح أن تؤسس لأجيال العراق وطنا واحدا ودولة القانون والمؤسسات , وأن تساهم في تفكيك الكيانات التي بنيت على أسس خاطئة, نتيجة فورة عاطفية أو توازن طائفي أو مذهبي وان تجنح للسلم وتطرح أفكارها وبرامجها وإيديولوجياتها بممارسات سياسية على الواقع العملي , وان تفسح المجال لكل مكونات الشعب في الممارسة السياسية داخل منظومة الحزب وتؤمن بالديمقراطية وتلغي من عقلها سمة احتكار سلطة القيادة داخل الحزب , كما تؤمن بتجديد الدماء الشابة داخل قيادة الحزب. وان تأثير ممارسة العمل السياسي للأحزاب تنعكس على البنية الاجتماعية للبلد حيث تتجسد في أشكال مختلفة ربما تعود بالنفع أو الضرر على المجتمع تبعا لتلك الممارسات , وان إعادة إنتاج الممارسات السياسية بشكل مدروس وصحيح سوف يساعد على تطويق ألازمة السياسية الخانقة التي يمر بها العراق ويكبح من جماح الأحداث والحوادث المتسارعة التي تعمق الهوة بين مكونات المجتمع , وعلى القوى والمنظمات السياسية تكثيف رؤيتها المستقبلية وان تعي حجم وخطورة المرحلة الراهنة وان تبتعد عن المهاترات السياسية والتوتر العصبي ,الذي يذهب بالعرق وأهله نحو الهاوية . وان لا تجنح في حل قضاياها إلى العالم الخارجي أو المحيط المجاور, وخاصة إن المنطقة العربية والإقليمية للعراق تمر بتحديات كبيرة من قبل السياسة ( الأمريكية ــ الصهيونية ) والتي تهدف إلى إعادة هيكلة المنطقة وبناها الاجتماعية والسياسية .



0 views0 comments