المستقلون يسبحون مع التماسيح في سباق الانتخابات

(1)

ظاهرة المرشحين المستقلون

أصبح المستقلون في أنتخابات المحافظات ظاهرة سياسية تثير الدهشة , على الرغم من أن هذه الظاهرة خطوة استراتيجية في البناء الديمقراطي, إلا أنها جاءت نتيجة تراجع حظوظ الأحزاب والكتل السياسية في الشارع التي تشكل الحكومتين التشريعية والتنفيذية. وأن أغلب المستقلون جاءوا بقوائم منفردة أو ضمن قوائم مستقلة تحت عناوين مختلفة الى جانب قوائم الكتل والاحزاب السياسية الكبيرة. والمستقلون نوعين - نوع ولد من تحت "عباءة الاحزاب" لتخطي حالة الافلاس في الشارع السياسي نتيجة فقدان ثقة الناخب بتلك الاحزاب والكتل السياسية وهؤلاء سيعودون لأحضان أحزابهم ثانية بعد فوزهم, والنوع الاخرمرشحون مستقلون ذو اتجاهات مختلفة يخوضون الانتخابات لاول مرة, ليطرحوا أنفسهم في سباق الأنتخابات كبديل سياسي من أجل تلبية خدمة الجماهير والمجتمع , وهنا نود أن نُحسن الظن بهذا النوع لان أغلبهم تقريبا لاتوجد لديهم آيدلوجية معينة ولا تنفذ أجندة خارجية أو داخلية عليهم .

وقد جاءت ظاهرة المرشحين المستقلين وكثافتهم العالية في الانتخابات كنوع من التحايل وفن الخداع السياسي من قبل الاحزاب والكتل الكبيرة, لكسب أكبر عدد من الأصوات للحفاظ على مواقعهم القيادية والادارية. وهو أحد الطرق التي تلجأ لها الاحزاب في حالة تعرضها للاٍفلاس والخسارة في الشارع السياسي . وكذلك تلجأ الاحزاب لتلك الحلول للخروج من أزماتها السياسية الداخلية والخارجية. وقد جاءت استمارة الناخب للتصويت مرتين مرة لقناعة الناخب بالمرشح والثانية قناعة الناخب بالكيان السياسي , لكي تعرف الاحزاب حجمها وثقلها في الشارع. لذلك الكثير من الساسة والمراقبون يراهنون على تلك الانتخابات بأعتبارها نقطة تحول وغربلة لمصداقية الاحزاب وجدوى حضورها , وهي التجربة الثانية التي يخوضها الناخب العراقي فهي أمتحان ومحك للاحزاب والمرشحين . والانتخابات تبقى تجربة حديثة العهد وغير كافية لصقل المجتمع كالعراق الذي عاش فترات طويلة مغيب عن ممارسة صوته بأجواء حرة وديمقراطية. ونحن نتطلع الى أن هناك أمل في بلورة ونضوج الوعي السياسي للناخب على المدى القريب من خلال أعطاءه مساحة من الحرية الكاملة دون ممارسات الضغوط والتأثيرات عليه.

والكثير من الاحزاب بدأت بالدعم الحقيقي للقوائم التي تسمى " المستقلة " وقد ساندتها مساندة فعلية من خلال توفير الاموال والوسائل الاعلامية والأتصال السياسي بالناخب عبر أجواء مناسبة وملائمة لحالة الارسال والاسترسال والتلقي بيسر بين الناخب والسياسي, وكذلك نزول أعضاء الاحزاب والكتل في الاتصال المباشر مع الجماهير ليحفزوهم ويشحذو هممهم وإثارة عواطفهم وتحريك بعض المواقف وأستحضار الصور الثورية لرموز عراقية تؤثر على عقلية الناخب وتجرف عاطفته الرقيقة نحو صناديق الاقتراع ليصوت الى الكيان والحزب والمرشح. وقد نقلت الفضائيات العراقية تلك المنصات الارتجالية على مختلف اشكالها والوانها, في شتى البقاع لتنادي باعلى درجات الاخلاص والنبل والتفاني , منتقدة كل مظاهر

الفوضى والرشوة والأحتكار للسلطة والمناصب والاموال .

صحيح ان الحملات الانتخابية تحتاج الى هكذا خطاب يلامس عقول الجماهير ويدغدغ عواطفهم ولكن ليس الى حد الأستخفاف , ولم نلاحظ أي مسؤول سياسي رصد حالة سلبية معينة في حزبه أو في الوزارات التي خضعت لكيانه وبررها وأعتذر للجماهير حول حالة الاسقاط والسهو والخطأ والتقصير والقصور وعدم الخبرة اللازمة لادارة البلاد والعباد , واعداً إياهم بتطوير كفائتهم وخبرتهم في العمل من اجل خدمة الناس والمجتمع.ولكن للاسف نرى خطب طنانة ورنانة تمجد بالحزب وقائده وأعضاءه وتلعن الارهاب والكباب والماضي الصدامي البعثي. نعم كان هناك ماضي مرير وقاتم وكان هناك ارهاب وتحدي, ولكن الاجدر ان يكون الخطاب قريب من الحس الواقعي للاشكال وتسميتها وذكر الفساد وطرح البرامج لترميمه وتشخيص المفسدين وتسميتهم , لكي يكون الخطاب اكثر عقلانية ومعقولية واكثر شفافية ومسؤلية .

(2)

المستقلون يسبحون مع التماسيح

اللعب او التنافس في سباق غير متكافئ هو يعد شبه محسوب ومحسوم للطرف الاقوى, والمرشحون المستقلون عندما عزموا السباق في الانتخابات ربما كان رهانهم على فرص الحظ أوعلى وعي الناخب العراقي ومعرفته الحقيقة بواقع الامور وإدراكه لقيمة صوته ومساهمته في صناعة القرار دون الخضوع لاي تأثير معين. ودخول المستقلين في تلك الانتخابات الشرسة مع تماسيح الاحزاب والمال والنفوذ هو تحدي كبير ربما يساهم في تغيير الكثير من التوازنات السياسية , من خلال تشتيت الاصوات والتأثير على الكيانات الرئيسية وتفتيت قبضتها الحديدية على أدارة المحافظات. وبالرغم من أن المجتمع العراقي مجتمع يخضع الى تأثير إجتماعية وقبيلة وطائفة ودينية ومناطقية ومحسوبية ومنسوبية وغيرها..... إلا إن الناخب سيفوت فرصة على الاحزاب الهيمنة دائما بحصة الاسد. ولكن لاي مدى نستطيع أن نعول على المستقلون وان أغلبهم لاول مرة يخوضون هذه التجربة أولاً , وحديثين العهد في السياسة وإدارة الدولة ثانياٌ.

وان أغلب المرشحين المستقلون رفعوا شكاوى الى المفوضية لإمتعاضهم من سلوك الاحزاب الكبيرة والكيانات وما تتعرض له صورهم ودعاياتهم الى تمزيق وتلف وتشويش في وسائل الاعلام المملوكة للاحزاب السياسية الكبرى , هذا كله يجعل السباحة مع تلك التماسيح بالتحدي أو ربما بشئ من العسر . وهل يشكل المستقلون في تلك الانتخابات قوة ثانية من بعد الكيانات والاحزاب أم يصبحون بيضة القبان في توازن القوى داخل المشهد السياسي الجديد؟ علما أن عدد المرشحين زاد على أربعة الاف مرشح بين مستقل وكيان سياسي في 14 محافظة عراقية. وهل ستشهد الايام القادمة مرحلة جديدة من التحالفات بين المستقلون لتشكيل جبهة لمواجهة الاحزاب والكيانات الكبيرة التي حصدت المناصب والاموال ؟

وفي قراءة مسبوقة توجهت أغلب الكيانات والاحزاب السياسية الى تشكيل قوائم لمرشحيهم تحت مسمى " المستقلون " وذلك جاء حسب المعطى الجماهيري لاحداثيات العملية السياسية الجارية التي جاءت على أسس عملية ملموسة نتيجة الاهمال والتقصير وعدم قدرة الاحزاب بالايفاء في عهودها ووعودها في تلبية حاجة الفرد في مجال الخدمات المختلفة ,والى حالة الفساد والافساد الاداري والمالي وتكريس مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية في مؤسسات المجتمع . فقد أصبح المرشح المستقل هو البديل المفضل من قبل الجماهير ليعيد الى المشهد السياسي العراقي لوناً وطعماً عن طريق دعمهم لمؤسسات المجتمع المدني وإيمانهم بالثقافة والوعي وحرصهم على تنمية وتعزيز روح المواطنة والولاء للوطن ونبذ كل مظاهر العنف والمحاصصة بكا الوانها وأشكالها. وأن نزول الاحزاب والكيانات في قوائم مستقلة هو السير في موكب المنقذون أو ربما يراد منه التشويش والتأثير لتقليل الفرص أمام المستقلون ذوي الاتجاهات السياسية المختلفة, وهذا الدخول يعتبر نوع من انواع السطو المعلن على مشروع الوسط المستقل من خلال لعبة الخداع والالتفاف على رغبة الشارع السياسي. في الوقت الذي تخلت فيه المرجعيات الدينية ورجال الدين عن دعمهم للكثير من الاحزاب الأسلامية العراقية وكذلك تخلي الاحزاب عن مشروعها الطائفي والعرقي.

وعلى الرغم من أن الاحزاب والكتل الاسلامية تؤكد على دورها في الخريطة السياسية وثقلها الجماهيري وتلك الانتخابات لن تغير بشكل كبير حضورها في الشارع السياسي !!! والاحزاب الاسلامية لاتزال تتمتع بنضوج وتجربة وقواعد شعبية بين عامة الناس بسبب آيديولوجتهم الثقافية والفكرية في العمل، و بالتالي فهل هي قادرة على اكتساح القوائم والكتل الجديدة للمرشحين ؟ ولكن يبقى الرهان على الناخب وإدراكه للتجربة السياسية ومدى نجاحها ومستوى الخدمات وحجمها, وتبقى صناديق الاقتراع كلمة الفصل بين المرشحين في سباقهم نحو الادارة والقيادة وتوفير الخدمات اللازمة وسد حاجات الجماهير صاحبة الرأئ والصوتــــــــ .

0 views0 comments