التصعيد المستعجل ضد دمشق

منذ سقوط النظام الدكتاتوري البائد الى الآن والعراق يعيش مشهد دموي يومي بلا هوادة, رغم التحسن الملحوظ في الاشهر السابقة من هذا العام. ولكن الدماء تسيل في شوارع بغداد والمحافظات العراقية حيث أصبح مشهد القتل بسيارات مفخخة واحزمة ناسفة وعبوات لاصقة مألوف لدى الشعب العراقي والعالم الخارجي عبر وسائل الاعلام المختلفة. والعمليات الارهابية فضلا عن كونها إبادة بشرية وتدمير منظم للمتلكات الوطنية وتخريب للامن الوطني والقومي العراقي واستنزاف للثروات العراقية , فأنها في نفس الوقت تحدي للعملية السياسية وتشويه للفعل السياسي مما تبعث الشك والريبة في النفس المراقب لتلك الاحداث الدموية .. من يقف وراءها ؟ ومن المستفيد من سيل الدماء؟


هذه الاسئلة وغيرها أجابتها لدى المسؤولين العراقيين المعنيين بذلك, لانهم يتحملون مسؤولية التدهور والنجاح الامني أمام الله والقانون والتاريخ. والاعمال الارهابية التي تهدد أمن العراق وحياة شعبه منذ السقوط الى يومنا هذا, بشكها المنظم وحجمها المدمر وتخطيطها المدروس وتمويلها الكبير لابد وأن تقف وراءها جهات دولية داعمة وساندة مادياً وسياسياً ولوجستياً, وليس هواة أرهاب كما يدعي الاخرون. ولايمكن أختزالها بتسمية عائمة تحت يافطة الارهاب التكفيري, أن هكذا أعمال تنفذ بدقة عالية وتصيب أهداف حيوية وحساسة وتحصد مئات من الشهداء والاف الجرحى وتخترق مؤسسات عسكرية أمنية. لابد وأن هناك مخطط ستراتيجي تدميري كبير يراد به أجهاض العملية السياسية في العراق وأفشال المشروع الديمقراطي وتشويه بناء الدولة العراقية الجديدة من خلال عمليات توريد الاسلحة والمتفجرات بماركات دول الجوار إلى البلاد، فضلا عن تمويل وتدريب عناصر أرهابية من مختلف مشارب الارض ومغاربها من أيتام النظام البائد ومن المغرر بهم من معتنقي الفكر الوهابي التكفيري في معسكرات معروفة, الذين يستبيحون دماء الشيعة وبيقة الاديان دون رحمة. وهذا الاطراف تحالف دون موعد مع مصالح الدول الاقليمية التي تتضرر من المشروع العراقي الجديد.


نعم هناك مشروع سياسي وطني ولكن أعداء العراق وأبتذال الممارسات السياسية لبعض الساسة العراقيين الذين جندوا أنفسهم ليكونوا جسرعبورلأجندات خارجية لاتريد للعراق خيراً. وهذا ما أثبته بعض الساسة في دفاعهم العلني والمكشوف عن دول الجوار المتغلغلة في الشأن العراقي. فهناك سياسيين داخل البرلمان وفي الحكومة يضعون العصي في عجلة الحكومة العراقية من خلال تذمرهم من تصرفات الحكومة العراقية بتدويل قضايا الارهاب وأتهام الدول المصدرة له. رغم الادلة القاطعة والأعترافات التسجيلية والمصورة للارهابيين والاسلحة المضبوطة التي تحمل ماركات دول الجوار, والصور التي حصل عليها العراق عبر الاقمار الصناعية للحدود بين العراق وسوريا, أضافة الى الأدلة الأستخباراتية التي تدين تلك الدول والتي زود بها وزير الخارجية التركي وارسال نسخ منها الى مجلس الامن. ولكن السادة المسؤولين يشككون في تلك الوثائق والمصادر وأتهام الحكومة العراقية بفبركة الاعترافات وخلط الاوراق وبالتصعيد المستعجل ضد الجارة سوريا وغيرها. في الوقت الذي أعتبره الكثير من السياسيين العراقيين حرب مقصودة ضد ممراتهم الجوسياسية فأبدوا آرائهم بتبرئة البعثيين والقوميين والاسلاميين من كل تلك الاعمال الاجرامية ومنها جريمة الاربعاء الاسود التي لم تكن الاخطر على الاطلاق فقد سبقتها مجزرة أسواق الصدر والشعلة وتازة والبطحاء وبابل وكربلاء والمتنبي وكثير من المجازر التي لاتعد ولاتحصى.


أن قرار عرض ملف الارهاب والتدخلات الخارجية في الشأن العراقي الى مجلس الامن وتدويل القضايا المهمة التي تتجاوز على دماء ومقدرات العراقيين هو قرار صائب قامت به حكومة المالكي وإذا نجحت في هذا الملف سيكون باكورة أعمالها طيلة الاربعة سنوات, وعلى حكومة المالكي أن لاتتراجع عن قرارها مهما كبرت وكثرت الوساطات الدولية. لان من أهم برنامج المالكي وشعاراته الانتخابية هو سيادة القانون وبسط الامن في كل زاوية وركن وشارع. وفي هذه الخطوة ستصبح دول الجوار أمام مسائلة قانونية وأمام محاكم جزائية دولية وإدانة رأي عام عالمي, وعسى تلك المساعي تحقق نتيجة للشعب العراقي في حقن دماءه من خلال كف الاذئ من الاخوة الاشقاء ودول الجوار المسلم.


فقد هبت الدبلوماسية العربية والاسلامية من دول الجوار لتهدئة الامور ليس حباً بالشقيقة سوريا ولكن خوفاً أن تطال تلك الاجراءات نفوذها في العراق, وأن أغلب تلك الدول وقفت بالضد من سوريا في تدخلها في لبنان. وهناك سياسيين عراقيين ممن يريد أن يجامل ويغازل بعض الدول من أجل مصالحه الشخصية والحزبية على حساب دماء العراقيين بتنظيراته الروية والحكيمة في التعامل مع ملفات الارهاب والتدخلات الخارجية فهو واهم جداً جداً, لان الكيل قد طفح والصبر قد نفذ لكل العراقيين. وأن الإدانات التي جاءت من أطراف سياسية عراقية داخل الحكومة لاترتقي لدرجة المسؤولية التاريخية والمهنية في التعاطي مع هكذا ملفات مصيرية وحساسة. وأسلوب الشد والجذب بين مجلس الرئاسي العراقي ورئاسة الوزراء في الكثير من القضايا المهمة أبتداءاً من أعدام الدكتاتور الى مجزرة الاربعاء لاترضي الشارع العراقي ولاتضمد جراحات وآهات عوائل الشهداء والجرحى. والعراق اليوم في مأزق أمني وسياسي وأجتماعي وفكري ولعبة القط والفار لاتحقق مصلحة للشعب ولاتؤسس دولة تضع قدمها في الميدان الدولي , هناك أصوات تريد أن تقلب الحقائق وتسوق المغشوش, وهناك تحديات كبيرة جارفة من خلف الحدود لاتقفها الا التصعيد الدولي والتلويح بعصى المحاكم الجنائية الدولية والملاحقات القانونية كمحكمة الحريري والبشير ولوكربي.

0 views0 comments