أمريكا وسياسة المد والجزر في حكومة المالكي

لقد شهدت حكومة المالكي المنتخبة مباركات كثيرة وكبيرة من قبل الإدارة الأمريكية بكل طواقمها وقد وعدها الأمريكان بالدعم والمساندة لنجاح عملها السياسي والإداري , وقد جاءت حكومة المالكي على غرار الحكومات الماضية من سلب إرادة وتقييد حركة وهي ليست أفضل حظا من سابقاتها , بل كانت هي الاسؤء لأنها جاءت لتستلم ملفات متراكمة ومشوهة بأهم مفاصل الدولة ” وهي ملفات الأمن والبطالة والفساد الإداري وتركيبة الميليشيات الحزبية” رغم إن حكومة المالكي تمثل اغلب الطيف العراقي في البرلمان. وان حكومة المالكي جاءت من كتلة الائتلاف الشيعي الذي يشكل اغلب الأحزاب الشيعية ,

إلا أن النقد اللاذع والشديد الموجهة لها من قبل الأحزاب في البرلمان وبالذات الشيعية لحكومة المالكي التي لاتملك من القرارات الأمنية شيئا , ورغم إن المالكي القائد العام للقوات المسلحة حسب الدستور العراقي .ولكن الإدارة الأمريكية في سياستها الغير واضحة ” كالمد والجزر ” تريد إفشال حكومة المالكي ووضع العصي في عجلتها كما وضعت نفس العصي في عجلات الحكومة السابقة , وأمريكا كما يعرفها الداني والقاصي ليس لها صاحب أو صديق , بقدر مالها من مصالح ونحن نؤمن بذلك كعراقيين وان مصلحتنا مع أمريكا بإزالة نظام صدام الذي صنعته هي بالأمس وأمدت له كل مقومات القوة وهي التي أزالته برغبتها ,

وكذلك نعترف بان لها مصلحة في الشرق الأوسط وهي مطاردة كل رموز الإرهاب الإسلامي المشوه الذي ضربها في عقر دارها في 11 سبتمبر , ولكي نتوقف برهة !! ونقول هل من المعقول أن أمريكا التي أزيلت حكم طالباني في أفغانستان وهي التي تلوح لإيران الدولة الإسلامية بالعصا والتحشيد السياسي المستمر لغرض الانقضاض عليها , تريد أن تكرر في العراق دولة ذات توجه إسلامي , وحتى لو قلنا أن الإسلام الشيعي أكثر اعتدالا من الإسلام السني المتشدد . ولكن إيران هي دولة شيعية !!! وان نظرة دوائر القرار في أمريكا وأوربا بل والشارع الأوربي بان الإسلام واحد ولافرق بين المذاهب . وان اغلب الأحزاب التي تشكل الحكومة العراقية الآن هي إسلامية سوى شيعية أو سنية .

وان اغلبها كانت تعيش في إيران رغم اختلاف الكثير من الأحزاب عن أيديولوجيا إيران في تشكيل الحكم . ولكنها تبقى أحزاب إسلامية وان تلك الأحزاب تركت أمور إدارة الدولة العراقية الحديثة والمهمة ومعالجة الأخطاء التي خلفها النظام السابق , و ذهبت لإحياء طقوس دينية لاتشبع ولاتغني الشعب العراقي والشارع السياسي في الوقت الراهن بشئ سوى تأرق الطرف الآخر مما خلق تناحر طائفي على الشارع العراقي . وان تلك المظاهر تقلق الرائ العام. وتزعزع مضاجع دول الجوار التي تعتمد في سياستها على المد الطائفي التي يؤثر في صميمهم السياسي .وان الابتزاز الطائفي الذي تقوم به دول الجوار على المسرح العراقي هو انعكاس للحالة الطائفية المنتشرة في العراق والذي أدى إلى إفشال الكثير من معالم العملية السياسية وشوه هيبة الدولة . وان سياسة الولايات الأمريكية التي انتهجتها في العراق اتجاه تلك الأحزاب هي سياسة حرق الأوراق فهي تذهب إلى حرق جميع أوراق الأحزاب الدينية من خلال إفشال عملها السياسي بوضع العصي في عجلتها. وتعطيل وتأخير مسؤولياتها في تامين عملها في الدولة في أهم مجالين الأمني والخدمي ,

وان ألازمات التي تخلقها أمريكا مع الحكومات العراقية تريد إيصال الحكومة السياسية إلى نفق مظلم والى عجز حقيقي أمام المواطن العراقي في تحقيق استحقاقاته الضرورية في الحياة اليومية . وان الغرض من سياسة الجزر من قبل الإدارة الأمريكية اتجاه حكومة المالكي وقبله الجعفري , هي رسالة إلى الناخب العراقي البسيط بان السياسات والأيديولوجيات الإسلامية لايمكن أن تدير البلاد ولأتفقه بأمور السياسة شيئا وان دورها محصور في المسجد والحسينية وكذلك تريد إفراغ تلك الأحزاب من محتواها الفكري والعقائدي , وان الحكومة مع الأسف قد أعانة الإدارة الأمريكية على نفسها لتحقيق تلك الأغراض والنوايا . إضافة إلى إن حكومة المالكي اعتمدت على كوادر أثبتت في حكومة الجعفري فشلها في إدارة شؤون الوزارات التي كلفت بإدارتها , وذلك بسبب عدم أهليتها وقلة خبرتها في إدارة شؤون تلك المؤسسات , وبالإضافة إلى تورطها في كل صنوف وأشكال الفساد المالي والإداري الذي أصبح المعوق الأول لعمل الوزارات ومؤسسات الدولة .

أمريكا تريد بكل ذلك توجيه أنظار الناخب العراقي إلى الأحزاب والقوى الليبرالية التي ربما توفر ما لم توفره الأحزاب الإسلامية من خدمات يومية مهمة وهذا ما يريده المواطن العراقي , وطبعا هذا إذا أرادت أمريكا ذلك وهو أكيد !!! وان نجاح حكومة المالكي في أهم ملف وهو الأمني مرهون على عمق المساندة الفعلية والتعاون الحقيقي في إطلاق العنان لكل الصلاحيات المنطاة له حسب الدستور العراقي ولكن الواقع يشهد عكس ذلك وهذا ما نلمسه من خلال المؤتمرات الصحفية لرئيس وأعضاء الحكومة وتصريحات السياسيين المقربين من حكومة المالكي .وان الاحراجات التي تصنعها الإدارة الأمريكية لتضع حكومة المالكي بها بمواجهة جبهة الأحزاب السياسية الشيعية والسنية والقومية ومنها حل المليشيات المسلحة ومداهمة أوكار تلك الأحزاب واعتقال كبار قياداتها .

وان العملية الأخيرة التي قامت بها القوات الأمريكية في مدينة الصدر دون علم الحكومة العراقية هو دليل قاطع على ما ذهبنا إليه في مقالنا هذا . وان المرارة التي تخرج من فاه المالكي من بين مفرداته هي تكمن في إحراجه الكبير اتجاه القوى السياسية والشعب العراقي . وان الأخبار التي تصدرها الصحف الأمريكية عن تسريب خطة لإسقاط حكومة المالكي وإعادة البعثيين إلى الحكم من خلال الدراسة التي وضعها جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق لتصحيح الأخطاء التي وقعت بها الإدارة الأمريكية في العراق خلال الأشهر القادمة على حساب أرادة ومقدرات الشعب العراقي .

ورغم سياسة المد التي جاءت من خلال تأكيدات الرئيس بوش التي جاءت على لسان “توني سنو” المتحدث باسم البيت الأبيض بان السيد المالكي وحكومته المنتخبة ديمقراطيا تتمتع بكامل الدعم كما شجع المالكي على تجاهل الشائعات التي تتحدث عن عزم الإدارة الأمريكية تحديد مهلة لحكومة المالكي , كما رد المالكي على تلك الشائعات في مؤتمر صحفي حيث قال إن الحكومة منتخبة ولايمكن حلها إلا من قبل البرلمان والشعب العراقي . وان تلك السياسات انعكست سلبا على القوى السياسية والشارع العراقي . وان التصريحات التي أطلقها البرلمانيون في جبهة الحوار الوطني وحزب الفضيلة للبحث عن بدائل سياسية تستطيع وقف نزيف الدم العراقي وهي ليست جديدة والكل يدعو لذلك. ولكن , هل هذا سيأتي بإسقاط وتغيير حكومة المالكي؟

هل هذا هو الحل الذي يخرج العراق من أزمته السياسية الخانقة . أن أي حكومة تأتي ما لم تدعمها قوات الاحتلال امنيا , لايمكن أن يكتب لها النجاح إطلاقا , ناهيك أن تصبح تلك القوات حجر عثرة في تحقيق مقاصد الحكومة وبرامجها السياسية والاقتصادية , وان حكومة المالكي لم تأخذ الفرصة الكاملة في تأدية مهامها وهي لم تقطع نصف المدة وعلى الأحزاب والقوى السياسية في داخل الحكومة وخارجها دعم حكومة المالكي من اجل أنجاح التجربة العراقية وان لا يعتمدوا على سياسة المد والجزر التي تنتهجها أمريكا مع أصدقائها وخصومها وان تتعامل تلك القوى بكل مسؤولياتها وبلغة شفافة عالية الصياغة والحذر من خلال خطاباتها السياسية ومؤتمراتها السياسية . وان نسف العملية السياسية ستعود بالضرر على الجميع , وبالذات القوى السياسية الإسلامية رغم مآخذنا الكبيرة على بعضها وما تتبناه من سياسة خاطئة جدا اتجاه مسؤولياتها التاريخية . وعلينا كشعب مكون من قوى سياسية فاعلة ومؤثرة من خلال تواجدنا في قبة البرلمان أو خارجه داخل العراق وخارجه كتاب ومثقفين وأقلام وقراء إسناد العملية السياسية في العراق بكل ما نستطيع وان لا نعتمد في ترتيب البيت العراقي على القوى الأجنبية سوى الاحتلال أو دول الجوار.



0 views0 comments