أزمة ضمير في المشهد السياسي

ومن يتجاهل المشهد السياسي الدرامي قد يكون ناقدا لذاته, لان قادة القوى السياسية قد خطوا لانفسهم سياق سياسي خارق لكل الانظمة المعروفة يتكئون عليه عندما يجدون أنفسهم في مأزق حقيقي

بعد أن ولدت الانتخابات نتائج متقاربة ومكبلة بنظام المكونات الطائفية والقومية والدينية وبجغرافية سياسية مصنفة طائفياً وقومياً, يتعذر تجاوز البعض منها لانها ستدخل في تفسير الأقصاء والتهميش لمكونات كبيرة في تلك الجغرافية, لان أغلب الاحزاب نشأة نشئة طائفية وقومية ودينية, لا على أساس برامج سياسية تستوعب الجميع. ومنذ اعلان نتائج الانتخابات يعيش المشهد السياسي صراع مشحون بين الاطراف الفائزة الاربعة المتنافسة على مقاليد السلطة بكل أمتيازاتها وبين تدخل الاجندات الخارجية للمحور الاقليمي العربي والاجنبي.

مما دعا بعض السياسيين بنقل قواعد اللعبة السياسية وآليات الحراك من داخل الإطار الوطني الى الإطار الإقليمي والعربي. فقد فتح هؤلاء الساسة باب التدخلات على مصراعيه بكل تفاصيل العمل السياسي الدقيق متجاوزين بذلك مشاعر الناخبين وإرادة الجماهير التي حققت لهم لا لغيرهم الوصول الى سدة المفاوضات على مقاليد الحكم.

وبالتالي أن هؤلاء الساسة لايتمتعون بالحد الادنى من البرغماتية الوطنية ولايكترثون بمصلحة ناخبيهم, بقدر ما يدغدغ مشاعرهم وعواطفهم رضاء زعماء ورؤساء المحيط الاقليمي والمحيط العربي. وقد تناسو بأن تلك الدول بدون أستثناء هي من وضعت العصا بعجلة العملية السياسية, وما أكثر المبررين لتلك الحراكات خارج أطار الوطن.

ومن خلال حركة الساسة العراقيون وأرهاصات الحراك ومعطياته المتحركة على أرض الواقع أصبحت هناك رؤية واضحة للمتابع, لما يجري في المشهد السياسي العراقي يفترض التركيز على ثلاث محاور تدور في فلك تقاطعات جغرافية العراق السياسية أولاً المحور الدولي يتمثل بالإرادة الأمريكية، والمحور الإقليمي: العربي, الإيراني, التركي, والمحور الداخلي العراقي الذي يمثل الأحزاب المتصارعة.

وهذه الإرادات التي تتجاذب جميعها في المشهد السياسي في ظل أزمة ضمير وضمور أخلاقي من خلال إعتمادهم الخطاب الديماغوجي الاجوف للتشويش على عقلية المواطن لرؤية المشهد السياسي بشكل ضبابي. وكذلك عدم الاكتراث بحق الناخب وقراره السياسي.

ولايمكن لتلك الاحزاب والقوى السياسية أن تنسجم وتعمل بروح وطنية وأن تضع مصلحة المواطن معيار حقيقي وقيمة عليا, بسبب إفتقارها الى أبسط القيم الأيديولوجية الأخلاقية والوطنية وغياب مقومات بناءها الصحيح لكونها أسست كمشروع مضاد أو مشروع طائفي استقطبت وافدين من الشارع السياسي بدلا من المدارس السياسية وكذلك الانقسامات التي تعصف بتلك المكونات السياسية التي تمثل أجندات خارجية تتحرك تبعا للحراك الاقليمي والدولي.

في الوقت الذي تبدي تلك القوى عجزها عن كبح جماح التدخلات الخارجية, بل نرى البعض يجعل لإتفاقاتهم السياسية وحل نزاعاتهم شروط مكفولة ومرهونة لدى المحيط الاقليمي والدولي بسبب فقدان الثقة وأزمة الضمير.

وهناك من يتساءل عن دور أعضاء البرلمان المنتخبون من قبل الشعب العراقي والمخبئون من قبل زعماء كتلهم مالذي حققوه خلال هذا الفصل التشريعي الضائع, علما أن المفاوضين في جولة الصراعات لايتجاوزن العشرين بما فيهم العشرة المبشرين أصحاب القرار, أما بقية الاعضاء من مجموع 325 فهم ملازمون بيوتهم يتابعون الاخبار عبر وسائل الاعلام. في حين نرى مجلس النواب يتمتع بميزانية كبيرة من رواتب ومخصصات دون أي رقابة. في الوقت الذي نرى القوى السياسية المتصارعة لاتؤمن بمبدأ المعارضة داخل قبة البرلمان, وما أحوج العراق لها وبالذات إذا كانت تشكل الثلث المعطل لكي تكون عين الشعب داخل البرلمان وخارجه, وتضغط على الوزارات المعنية لتنفيذ برامجها الوزارية.

ومن يتجاهل المشهد السياسي الدرامي قد يكون ناقدا لذاته, لان قادة القوى السياسية قد خطوا لانفسهم سياق سياسي خارق لكل الانظمة المعروفة يتكئون عليه عندما يجدون أنفسهم في مأزق حقيقي. ولولا الدعم الدائم والناعم من قبل المحيط الاقليمي لمؤسساتهم التي من خلالها يهيمنون على القرار السياسي في البلد, لما طالت بهم الايام وزوالهم وإقصاءهم من قبل الشارع السياسي مؤكد. لان تلك الأحزاب أثبتت يوما بعد يوم هدف مشروع تكتلاتها واصطفافاتها الطائفية والحزبية, ولكي نفهم المشكلة السياسية في المشهد السياسي لابد من رؤية كل عناصر المشكلة التي تؤثر في تعطيل وتأخير تشكيل الحكومة ومؤسساتها الخدمية والامنية. وغض النظر عن تلك المشاكل والوقوف على مسافة بعيدة مما يحدث يخدم هؤلاء السياسيين ومشروعهم المتطرف, بتفتيت الدولة العراقية على أسس طائفية وقومية.

1 view0 comments