أثر رجالات الدين ودورهم في استقرار وبناء الدولة العراقية الجديدة


الحديث عن رجالات الدين والمرجعيات الدينية الإسلامية بشقيها (السنية والشيعية ) ربما يعود بنا إلى بدايات لا تخدم مقالتنا هذه , ولكننا نأخذها تاريخيا وعلى عجالة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ,ونحن بصدد دورها وأثرها في بناء الدولة العراقية الجديدة. وقد شكلت ثورة العشرين التي قامت ضد الاحتلال الإنكليزي نقطة تحول وتمحور في حياة المرجعيات الدينية السنية والشيعية على حد سواء في المجتمع العراقي , حيث شكلت تلك المواجهة تعبئة عامة لكافة فئات المجتمع ضد المستعمر المحتل . فقد قامت المرجعيات الدينية الشيعية في النجف بتحريك المواجهة بانتفاضة النجف عام 1918 التي سبقت الثورة الكبرى عام 1920 , حيث شكلت المرجعيات في النجف وكربلاء جبهة إسلامية بين الشيعة والسنة سميت (بالوحدة بين السنة والشيعة ) حيث انطلقت الثورة في 30-6-1920 م لتعم كل محافظات العراق , حيث اجبروا قوات الاحتلال إلى الاستجابة لطلباتهم والدخول معهم في مفاوضات , وقد وجدت بريطانيا أنها بحاجة إلى أن تسمح للعراقيين بحكم أنفسهم لتخفيف الأعباء والتوتر القائم، فكلفت عبد الرحمن الكيلاني تشكيل حكومة تنسق مع المندوب السامي البريطاني، وقد عين لكل وزير في الحكومة مستشار بريطاني يمتلك صلاحيات واسعة, وبعد ذلك عقد في القاهرة مؤتمر لترتيب الأوضاع في العراق بإشراف وزير المستعمرات تشرشل، وحضره قادة الحكومة العراقية، و في هذا المؤتمر رشح فيصل بن الحسين , وقد سافر فيصل من جدة الى العراق عام 1921 على متن سفينة بريطانيا باتجاه البصرة , وقد جرى استفتاء شعبي على ترشيح فيصل ملكا على العراق حيث كانت نسبة الاستفتاء 97% وتوج الملك فيصل في 23 آب 1921 م ذوحدة الشعب التي قامت على أساس وحدة المرجعيات الدينية الشيعية والسنية إلى استقرار العراق ومن ثم دفعت العملية السياسية إلى شواطئ الأمان , وقد افزع ذلك التحالف بين وحدة المرجعيات الدينية و الحكومة العراقية الجديدة . المندوب السامي كوكس . حيث شكلت تلك الكيانات مواقف تعاضدية وقوة ضغط على حكومة الاحتلال , وكم حاولت قوات الاحتلال عرقلة مسيرة الحكومة وزرع الفرقة والشقاق بين الطوائف الدينية والعشائرية , إلا أن تلك المحاولات باءت بالفشل رغم بعض الخروقات التي حصلت هنا وهناك ,. ولكن بقي النسيج العراقي بفضل المرجعيات الدينية العقلانية التي وحدت من سنن الدين وقللت من فوارقه أمام محنة العراق ومرارة المحتل . وقد أدرك البريطانيون بأنهم لا يستطيعون إدارة العراق بدون الملك فيصل , وكما إن الملك فيصل بدء يضغط على قوات المحتل بفضل مساندة الشعب العراقي بكل طوائفه وبفضل توجيه مرجعياته الدينية , مما مكن العراق حكومة وشعبا من نيل استقلالها عام 1932 ودخول العراق عضوا في عصبة الأمم. أما اليوم وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بفارق القياس وللأسف . لقد مر العراق بظروف ليس لها مثيل في كل بلدان العالم وبالذات الأربعين سنة الماضية حيث شهد العراق الكثير من الانقلابات والمؤتمرات التي عصفت بالبلاد والعباد إلى متاهات وانشقاقات كانت وراءها قوى سياسية ظلامية تريد تمزيق وحدة الصف العراقي وتمزيق نسيجه الاجتماعي والديني والثقافي , حيث اعتمدت تلك القوى سياسة الثقافة الواحدة وسياسة الإقصاء للطوائف الدينية الأخرى التي لا تنسجم مع طروحاته وجعل الطائفة الأخرى مظلة دينية له , وبعد زوال تلك الأنظمة جاءت محنة المحتل الذي ساهم بتفعيل الفرقة الطائفية وعزف على أوتارها, مما تركت تلك السلوكيات تداعيات كبيرة تركت بظلالها على الوضع الراهن , وهذه السلوكيات الظلامية التي خلفتها الأنظمة القمعية وقوة الاحتلال , تحتاج من حكماء القوم وعقلاء رجال الدين إلى وقفة مع ألذات وإصلاح مع النفس ومصالحة مع الطرف الأخر واعتماد مبدأ التسامح , الذي يعتبر ارفع القيم الإنسانية التي حث عليها ( الله سبحانه وتعالى) في جميع كتبه السماوية .وقد استبشرنا خيرا بمشروع المصالحة الوطنية والتي أخذت وسائل الإعلام تطبل له وكان أخرها مؤتمر مكة التي تمخضت عنه وثيقة شرف تحقن الدماء وتحفظ المال والعرض . ولكن قبل أن يجف حبر الوثيقة خُرقت الكثير من الجهات المسلحة العلنية والسرية المحسوبة على الفرق الدينية كل المواثيق التي جاءت بها الوثيقة , وطل الموقعين من على شاشات الفضائيات يمارسون تمارين السب والشتم وإلغاء الآخر دون تحفظ عن الأسماء والمسميات . وكأننا المثل القائل (العراقيين مالهم چارة ) وبما أن المجتمع العراقي يعج بالمشكلات وخاصة الاجتماعية منها , فانقسام سكانه إلى قوميات ومذاهب دينية , ساهم في خلق انقسام في سلطته السياسية والإدارية وعدم الانسجام بينهما , مما دعا إلى خلق نزاعات سياسية وطائفية في ظل وجود المحتل الذي يستفيد من ذلك النزاع من اجل مصالحه الاستعمارية في العراق ومشروعه في المنطقة العربية أولا, ومن ثم عدم التواصل بين المرجعيات الدينية الشيعية والسنية كأشخاص أو هيئات . وقد وصل الحال إلى كيل التهم والشتائم التي لا تليق بالإسلام ولا بالعلمية التي يحملوها ولا بالمراكز التي وضعوا أنفسهم فيها ,وان هؤلاء الشخصيات هم أكثر من يحد سنان الحراب ويسكب الزيت على النار , كيف هم عقلاء البلد وكيف هم أعلام الإسلام في بلد مثل العراق محط الأنبياء ومسكن الأوصياء , ماذا يقولون لله في قنوتهم وفي ركوعهم وفي سجودهم , الم تهز مشاعرهم تلك الدماء التي تسفك يوميا , الم يتحرك لهم طرفة عين ولا يرجف لهم قلب . أن الذي يحدث هو منحى خطير في تاريخ الإسلام . وهناك ظاهرة القتل والتشويه المعنوي لدى رجال الدين اتجاه الآخرين !!! حيث نرى البعض منهم يطل علينا من على منابر العبادة وأمام حشود المصلين التي تتضرع إلى ربها , فيبداء حديثه بسم الله ويختمه بالسب والشتم والنيل من الآخرين , هل يجوزوا لأنفسهم ما لا يجوزوا للآخرين !!! بمقولة (( لا غيبة على السفيه )) وهم يسفهون أقرانهم في الدين والمنزلة الاجتماعية مقابل أطماع الدنيا فهؤلاء (الذين يبيعون دينهم بدنيا غيرهم ) . هل نرجو من احد الفرقاء ممن يملك شجاعة كبيرة ونكران للذات ويدعو إلى مصالحة ومصافحة دينية ووطنية حقيقية وتسامح واقعي بعيد عن التصريحات الإعلامية والمؤتمرات الإقليمية . تسامح وطني مبني على المودة لا مبني على المراوغة والمراءاة ,التي لا تحقق سوى مفسدة للدين وتحطيم وتعطيل للمجتمع العراقي. إن القتل والتهجير الذي يقوم به سفهاء الطرفين ما هو إلا منزلق يراد بالعراق وأهله إلى هاوية الهلاك , ولا نريد أن نقول إن الذي يجري هو اكبر من حرب طائفية لان مهمتنا هي مهمة إنسانية وأخلاقية ونحن نؤمن أن التغيير لا يأتي من رجل دين يتوضآ بدم الأبرياء , وإنما يأتي من خلال الدعوات الشريفة والصادقة من قبل العقلاء من رجال الدين والسياسة , ومن خلال أقلامنا الحرة وكلماتنا النبيلة التي نطلقها دون ثمن , ونحن ننطلق من واجبنا الشرعي والأخلاقي و لوجه الله وللعراق الجريح النازف . كما ندعو جميع فئات المجتمع العراقي للمزيد من الوعي الفكري والابتعاد عن النعيق وراء الناعقين , وان مهمة تثقيف الشعب وتنويره تقع على الحكومة أولا وعلى منظمات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والجمعيات وعلى الأقلام العراقية والعربية الشريفة وعلى كل من يملك كلمة عادلة وشريفة أن يدلوا بها في زمن الصمت والمجاملات وان لا يحابي إلى جهة معينة وان لا يكون جزء من عملية النحر اليومي لضحايا العراق من خلال كلمة حق يراد بها باطل , ولا نريد تفسير كلامنا هو الوقوف ضد الدين أو رجال الدين العقلاء الذين يحرصون على حقن دماء الأبرياء , وإنما نقصد رجال الدين الذين يزرعون الغيظ والكراهية بين أفراد المجتمع العراقي , وبالتالي تنعكس تلك المناداة العدوانية إلى تعطيل مسيرة الدولة العراقية وتؤثر على استقرار البلد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا . هناك الكثير من الأصوات الإسلامية العقلانية الحرة غابت عن الساحة السياسية بسبب الوضع الأمني المتردي للبلد , كان الاحرى بها تنشر أفكارها بين أوساط المجتمع من خلال ندوات وأمسيات وحلقات دراسية , وقد يتحمل هذا النمط من الرجال مسئولية تاريخية وأخلاقية رغم حقه في العيش بمأمن ولكنهم تخلوا بعض الشئ عن مهمتهم الرئيسية . وهي الموعضة الحسنة . فمصاب العراقيين بزعامات لا تتقي الله في دينها ولا في عقلها ولا في ضميرها وعلى العراقيين أن يدركو خطورة المرحلة الحالية والمقبلة . والسؤال الذي أود طرحه هل ستولد الأيام المقبلة وحدة إسلامية بين الشيعة والسنة ؟, ويشكلون محور وطني نموذجي يضغط باتجاه المحتل ويدعم الحكومة التوافقية الوطنية من اجل استقلال العراق ونيل سيادته وبناء الدولة العراقية الجديدة بمستوى الطموح .



0 views0 comments