Get Adobe Flash player


حقوق الرعية في حكومة الامام علي (ع)

ناجي الغزي

شذرات من حياة الامام
بقلم الكاتب السياسي: ناجي الغزي
الفهرست
الموضوع الصفحة
المقدمة......................................................... 3
إنسانية الإمام علي في رعيته................................ 4
مفهوم الحريات وصيانتها في حكومة الإمام علي.......... 7
سياسة الامام علي المالية في أدارة الدولة................... 9
أخلاق الامام علي في لحظات استشهاد..................... 11



مقدمة
عندما بويع الإمام علي ابن أبي طالب عليه السلام لقيادة الامة الاسلامية وأصبح خليفة رابع للمسلمين سنة 35 هـ (656 م) بالمدينة المنورة، بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفّان والإطاحة بحكومته، فقد أعلن أمير المؤمنين أمام المسلمين معالم سياسته التي تميزت بتقدم حضاري وأنساني ملموس خاصة في عاصمة الخلافة الجديدة الكوفة التي حكم فيها فيها خمس سنوات وثلاث أشهر.

وأكّد الامام من خلال سياسته على حقوق الرعية في مواضع مختلفة من مناحي الحياة. فقد تبنى الامام مبدأ المساواة بين الناس فلا يميز أحد دون الآخر. فقد ساوى الأمام في العطاء بين المسلمين وغيرهم من أبناء الذمة فلا يقدم مسلم على مسيحي ولا عربي على أعجمي, مما نجمت تلك السياسة مشاكل في الاوساط الرأسمالية مما دفع البعض منهم الى أعلان الحرب على حكومة الامام وشق صفوف المؤمنين.

وقد الزم الامام ولاته وعماله في أقطار الدولة الاسلامية على تطبيق المساواة الكاملة بين الرعية في القانون, فقد كتب الامام علي لولاته رسائل عديدة, ومن أحدى رسائله التي كتبها لبعض ولاته حيث قال فيها: ((فَاخْفِضْ لَهُمْ جَناحَكَ، وَألِنْ لَهُم جَانِبَكَ، وَابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ، وَآسِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّحْظَةِ وَالنَّظْرَةِ، حَتّى لا يَطْمَعَ العُظَمَاءُ فِي حَيْفِكَ لَهُمْ، وَلا يَيْأَسَ الضُّعَفَاءُ مِنْ عَدْلِكَ))

وكذلك من أشهر وصايا الامام علي لولاته هي وصيته الى الصحابي الجليل مالك الاشتر ( رضوان الله عليه ) لمّا ولاّه مصر: أمره بتقوى الله ، وإيثار طاعته ، وإتباع ما أمر به في كتابه ، من فرائضه وسننه ، التي لا يسعد أحد إلاّ بإتباعها ، ولا يشقى إلاّ مع جحودها وإضاعتها ، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه ، فإنّه جل اسمه ، قد تكفّل بنصر من نصره ، وإعزاز من أعزه. أمره أن يكسر نفسه من الشهوات ، ويزعها عند الجمحات ، فإنّ النفس أمارة بالسوء ، إلاّ ما رحم الله .

ومن خلال تلك الرسائل أراد الامام أن يبسط العدل والمساواة بين الرعية التي أمر الله بها من خلال تطبيق مبادئ العدل لدى الحاكم, وهناك يريد الامام ان يساوي بين الفقير والغني وبين القوي والضعيف, في العيش والكرامة والحقوق والواجبات. ونظرية الامام في العدل والمساواة بين الرعية قائمة على أحترام الانسان وحقوقه التي أسسها الاسلام كدين حق وكرسها النبي محمد صلى الله عليه وعلى آل بيته الطاهرين, وحافظ عليها الامام في حكمه الذي دام خمس سنوات وثلاث أشهر.


إنسانية الإمام علي في رعيته
في هذه القراءة الانسانية لشخصية الامام علي ابن ابي طالب (عليه السلام) نجد شخصية أنسانية فذة, لما تميزت بها حياة أمير المؤمنين من خصال إيمانية وإنسانية وأخلاقية تجلت في تعامله الإنساني المجرد مع الوان بني البشر على نظرية الأخوة الدينية والتماثل في الخلق التي يبنى عليها فلسفة أحترام الانسان والمحافظة على حقوقه وشخصيته المادية والمعنوية, وقد مارس الامام تلك النظرية في أوج العصبية القبلية واثارت الفتن. وأهمية هذا التوجه في حياة الامام تنبع من مسؤوليته الآلهية ودوره في حياة البشر الاجتماعية والسياسية كونه يجسد طريقاً مستقيماً الى رضاء الله سبحانه وتعالى من خلال تطبيق منظومة القيم الدينية والانسانية.

وكان من مظاهر إنسانية الامام علي ابن أبي طالب وعدله وإنسانيته الراقية في التعامل مع رعيته وعماله فقدم خادمه قنبراً على نفسه في لباسه وطعامه، وفي أحد الايام اشترى الامام علي (عليه السلام) ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين، فقال أعطى الامام الثوب الذي بثلاثة دراهم الى قنبروأخذ الثوب بدرهمين لنفسه.

فقال قمنبر: يا أمير المؤمنين أنت أولى به مني, لانك أمير للمؤمنين وتصعد المنبر وتخطب الناس ومظهرك مهم. فقال له الامام يا منبر أنت شاب ولك شره الشباب وعلى نفسك حق, وأنا أستحي من ربي أن أفضل نفسي عليك.
وهذه الاخلاق التي تمتع بها الامام ورثها من بيئة الايمان التي نشأ بها وترعرع عليها في حضن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله الطاهرين) ومن خلال تفاعل البيئة الايمانية مع شخصية الامام تبلورت شخصية الامام بمزايا إنسانية فريدة من نوعها لم يمتلك الاخرون منها حتى أخوته الباقون ( كجعفر وطالب وعقيل) لان تلك الفضائل الانسانية أكتملت بشخصيته لانه الامام الذي أصطافاه الله سبحانه وتعالى خليفة بعد الرسول الاكرم. فقد كانت أقواله وأفعاله سياسياً وإجتماعياً وقضائياً وتشريعياً وإقتصادياً وإنسانياً منسجمه مع منهج كتاب الله والسنة النبوية الطاهرة.

ومن الشواهد الانسانية في التعامل الانساني لحياة الامام (عليه السلام) ما حدث في معركة صفين عندما سبق جيش معاوية جيش الامام الى ميدان القتال وأستولوا على مشرعة الفرات ومنعوا جيش الامام من الوصول الى الماء, فضج أصحاب الامام وأفراد جيشه من ذلك السلوك العدواني بعد أن قام خطيب من جيش معاوية وقال (الموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين، رووا سيوفكم من الدماء ترووا من الماء)

فأستنهض الامام بجيشه للوصول الى مشرعة الفرات لإستيلاء عليها وعنمدا حصل ذلك وجلا جيش معاوية بقوة السلاح والسيطرة عليها, فقد تصايحت أصوات جيش الامام بقولهم (نمنعهم من الماء كما منعونا ونتقتلهم بسيف العطش) ولكن الامام علي (عليه السلام) رفض ذلك وقال: ((خذوا حاجتكم من الماء وارجعوا الى معسكركم وخلوا بينهم وبين الماء فاني لا افعل مافعله الجاهلون)) هذه الأخلاق الذي يتمتع بها أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) هي أخلاق الإسلام في بعدها الإنساني الكبير.

وسيرة الامام علي (عليه السلام) غنية بالشواهد والوقائع التي تؤكد قيمته الانسانية وأحترامه لحقوق الانسان, ولم ينظر الى أعدائه نظر كره أو غل, بل كان الامام يشفق على هؤلاء حتى في المحن لأنهم يحاربون ويخاصمون الله ورسوله.

وقصة (عبيد الله بن الحر الجعفي) خير شاهد ودليل على سلوك الامام وتعامله مع خصومه. فقد كان عبيد الله من أصحاب الامام ومن العاملون في جيشه, وقد خان الامام والتحق بجيش معاوية في جوف الليل عندما كانت نيران الحرب قائمة في معركة صفين. وفي الحروب كما هو معروف توجد قوانين تنظم حقوق وواجبات المقاتلين, حيث كانت عقوبة الخيانة هي الاعدام. وقد أستطاع الخائن عبيد الله ان يقدم لمعاوية خدمات كثيرة وكبيرة في ميدان الحرب المعلوماتية.

وكانت زوجته من أهل الكوفة عاصمة الامام علي (عليه السلام) ولما سمعت الزوجة خبر هلاك عبيد الله ,, أعدت عدة الوفاة وبعد ذلك تزوجت برجل من أهل الكوف, في القوقت الذي كان عبيد الله حياً في الشام وبقرب سيده معاوية.

وحين أخبر عبيد الله الجعفي بخبر زوجته تسللل ليلا من الشام وقطع مئات الكيلومترات للوصول الى الكوفة من أجل الوصول الى زوجته ومعرفة حقيقة الخبر. ولما وصل بيت زوجته وطرق بابها خرجت الزوجة منقبة وبعد حوار بينها وبين عبيد الله أخبرته بحقيقة خبر زواجها من رجل آخر.

فقد رآى عبيد الله أن أبواب العودة موصودة بوجهه, ولايوجد حل ومخرج الى بقضاء الامام علي العادل ومعرفته الفقهية بأمور الدين, فقرر الذهاب الى الامام ليخبره بقصته, ولكنه كيف يواجه الامام وهو الخائن من بين صفوف الامام.

وعندما وقف بين يدي أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (عليه السلام) منكس الرأس خجولاً لانه يعلم خيانته حجم عقوبته. فقد أجابه الامام مستنكراً هل (أنت عبيد الله الخائن) فقال نعم هل انت ذلك الرجل الذي يعرف علياً رجل الحق والعدل فقال نعم.

فأنتهز الفرصة وقال: هل أن خيانتي تمنعك من العدل يا أمير المؤمنين؟ فاجابه الامام. كيف؟ وقص قصته للامام وطلب من الامام أن يغيثه ويعينه على أمره. وقد أمر الامام بأحضار زوجته وزوجها الثاني وقال (عليه السلام) : على المرأة أن تنفصل عن زوجها الثاني وتبدأ بالعدة من الآن, وبعد الانتهاء من عدتها تعود الى زوجها الاول إن لم تكن حاملا, وإذا كانت حاملا لا يعود لها الزوج الاول حتى تضع حملها ويبع ابيه اي الزوج الثاني. وبعد ذلك تعود المرأة الى زوجها الاول.

وهذه الاحكام العدلية في القضاء لاتبتعد عن البعد الانساني الذي لايفارق الامام لحظة واحدة في كل سلوكياته العملية اتجاه رعيته, فلا ينظر الى الامور من زاوية ضيقة ولا من حيث الكيل بغلة الاحقاد كما ينظرها الاخرون من ساسة وقضاة وعاملون. فهو الامام المنزه والمعصوم فهما وسلوكا.




مفهوم الحريات وصيانتها في حكومة الإمام علي
مشكلة الحريات وصيانتها من أقدم المشكلات الفلسفية وأدقها التي واجهت الحكام من قديم الزمان وكذلك الباحثين والمفكرين كفلاسفة اليونان وغيرهم. ولا توجد مرحلة زمنية في تاريخ الفكر البشري لم تطرح فيه هذه المشكلة على طاولة البحث، وتتحول تلك المشكلة الى جدل حاد بين الفقهاء والمفكرين والادباء والحكام وتتباين فيها الآراء ووجهات النظر. ومشكلة الحريات وصيانتها من أكثر المسائل الفلسفية إتصالاً بعلم الاخلاق والاجتماع والسياسة.


والحريّة هي من المبادئ والقيم الإنسانية وهي المناخ الأنساني الذي يشعر فيه الإنسان بإنسانيته، وهي ليست مطلباً إنسانياً فحسب، بل هي حق طبيعي لكل المخلوقاتت من غير الإنسان تطالب بها ولو غريزياً. وهذا ما يتجسد في سلوك الطائر عندما يغرد في الهواء حراً طليقا دون سواه من يكون في القفص.


والحريات كمفهوم تقرن بعلي ابن أبي طالب وحكومته الانسانية لانه لم يتعامل معها تعاملا طوباوياً او تعامل بتجرد, بل تعامل مع الحرية فهما علمياً وسلوكا عملياً, وقد يذهب الامام في عدالته الانسانية وإيمانه بالحرية الى فعل أبلغ وأصدق من المفهوم والعملي, لانه يجسد القيم والمثل العليا في أعلى مراتبها في عمله اليومي وسلوكه العملي.

ولايمكن فصل الحريات عن شخصية وحياة وسيرة الإمام علي لانه تجسد في مفهومها وشرب من نخب القيم الانسانية التي تشكل الاطار الجامع والحافظ لمعاني الحرية الانسانية. وللامام أقوال وعبر مأثورة الى قيام الساعة تشير الى قيمة الحياة الحرة من خلال كلماته الرائعة التي تناول فيها الحرية كبعد إنساني وحق طبيعي. حيث قال الامام (عليه السلام)


(أيها الناس إن ادم لم يلد عبدا ولا امة وان الناس كلهم أحرار)

وقال عليه السلام أيضا: (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا)

ويقول أيضا:(الحر حر ولو مسه الضر، والعبد عبد وان ساعده القدر)

ويقول عليه السلام:(الحرية منزهة من الغل والمكر)

ويقول عليه السلام: (من أوحش الناس تبرأ من الحرية)

أمّا عن إيمانه بالحرية السياسية وآراء معارضيه يتجسد في الفعل السياسي عند بعية الامام. عندما بايعه الناس خليفة للمسلمين، وعارضه آخرون لم يُكرِه أحداً على البيعة ولم يظهر أي غضاضة أو حساسية إتجاه الاخرين.

لان الحرية عند الامام علي (عليه السلام) هي أوسع وأعمق من المعنى السياسي, لان الله سبحانه وتعالى خلق الناس بالفطرة بقوله في سورة الروم: ( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيِّمُ و لكن أكثر الناس لا يعلمون ) 30/30 وهذه الفطرة هي الحرية في كل شئ. فلايحق لاي مخلوق أن يعتدي على هذه الفطرة ويكون عبداً تابعاً وراء القيم الفاسدة التي يكتسبها من البيئة المنحرفة.

لان الحرية في مفهوم الامام علي (عليه السلام) أصل إنساني ذات قيم أخلاقية وفكرية تعتمد الايمان والقوة في ذات الله وإرادة الخالق التي اودعها في كينونة المخلوق، والتسلط على الانسان وإلغاء إرادته هو تجاوز واضح على إرادة الله سبحانه وتعالى.


والحريات كمفهوم وسلوك تعني أن يعيش الناس أحراراص كما ولدتهم اماتهم ولهم الحق في ممارسة طاقاتهم الابداعية والعلمية في مناخ حر خالي من الطغيان والفساد, لان مناخ الحرية يزيد حالة الابداع ويجدد الثقة في النفس ويزيد من طموح الناس في الحياة والعمل والابداع. على العكس من التسلط والطغيان الذي يفقد الانسان القدرة على الابداع والانتاج ويقزم تفكيره.


سياسة الامام علي المالية في أدارة الدولة
عندما بويع الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) لقيادة الحكم في الامة الاسلامية وأصبح خليفة رابع للمسلمين, أعلن أمير المؤمنين أمام المسلمين معالم سياسته التي تميزت بتقدم حضاري ملموس خاصة في عاصمة الخلافة الجديدة الكوفة، وأكّد بصورة خاصة عن سياسته المالية وواردات الدولة المالية وآلية توزيعها. وأعلن حزمه وأصراره بأمر الخراج وما تملكه الدولة من عائدات مالية التي هي ملك الشعب.


كما بين الامام علي عدله في سياسته المالية بأن لايصطفي نفسه وذويه في تلك الأموال, وإنما تنفق تلك الاموال لتطوير وتنمية الحياة العامة من خلال خلق فرص العمل وتقليل معدل البطالة ورفع مستوى المعيشة للفرد والقضاء على الجريمة والفساد. ومن أبرز برنامجه السياسي الاقتصادي هو التوزيع العادل للثروة وأشاعة الرخاء والانتعاش الاقتصادي لسكان الدولة الاسلامية دون تمييز او أعتبار جانبي.

فقد ساوى بين سكان بلاد المسلمين من يهود ونصارى وصابئة، فلهم الحقّ فيها كما للمسلمين, عكس ما حدث من تمييز وثراء كبير لفئة دون أخرى كثراء بني أمية على حساب الفقراء من أبناء الدولة الاسلامية في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان.


وقد شدد الامام في عهد ولايته على محاسبة المفسدين الذين نهبوا أموال المسلمين بغير حق. فأصدر أوامر بجمع الاموال المسروقة والمغتلسة من بيت المال وأعادتها الى خزينة الدولة. فقد تميزت سياسة أمير المؤمنين بالعدالة والصرامة وعدم المداهنة مع أي طرف مهما علا شأنه أو قرب نسبه.


فقد كان جل أهتمامه بشريحة الفقراء والعاطلين عن العمل, مما جعل منهجه في السياسة الاقتصادية يعتمد مبدأ توزيع الاموال بصورة عادلة وسريعة على مستحقيها وعلى الأستثمار. والاهتمام بالجانب الزراعي من خلال تعمير الاراضي وإصلاح الري لاستيعاب العاطلين عن العمل وزيادة الانتاجية الغذائية لسد رمق الفقراء. وهذا ما أكّد أمير المؤمنين لمالك الأشتر على ضرورة إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها حيث قال له: وَلْيكُن نَظَرُكَ في عمارةِ الأرْضِ أبْلَغَ من نظرِكَ في اسْتِجْلابِ الخراجِ، لأنَّ ذلكَ لا يُدْركُ الا بالعمارةِ؛ ومن طَلَبَ الخراجَ بغيرِ عمارةٍ أخْرَبَ البلاد، وأهْلَكَ العباد.


وقد عين عامر بن النباح أميناً لبيت المال في الكوفة وكان مؤذن لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وقد جاء بن النباح يوما الى أمير المؤمنين وقال: أمتلأ بيت المال من الصفراء والبيضاء فقال الامام (صلوات الله عليه) "الله أكبر" ثم أمر بتوزيع الاموال على أتباع عاصمة الدولة الاسلامية في الكوفة وهو يقول (يا صَفراءُ! وَيا بيضاءُ! غُرِّي غَيْري) ولم يبقى دينار في بيت المال وصلى كعادته ركعتين لله بعد أن يفرغ بيت المال.


وسياسة الامام علي العادلة في توزيع المال سببت له أزمات سياسية وأجتماعية مع البعيدين والقريبين منه فقد خلقت مصاعب مع جيشه وتنكر له الاعيان من البلاد وقاطعته قبائل قريش الاقطاعية التي أستأثرت بالمال والهبات في العهد الذي سبق ولايته. والسياسة العادلة في توزيع المال دفع الامام علي ثمنا باهضا في تخاذل جيش الامام وتوجهه صوب معاوية.

مما دعا أبن عباس الى توجيه النصح الى الامام وعرض عليه حالة جيشه فقال: يا أمير المؤمنين، فضّل العرب على العجم، وفضّل قريشاً على سائر العرب. فنظر له الامام بطرف عينه وقال له (أتأمروني أنْ أطْلُبَ النَّصْرَ بالجوْرِ؟ ولوْ كانَ المَالُ لِي لَسَوَّيْت بينَهُمْ، فكيفَ وإنَّما المَالُ مالُ الله).


سياسة الامام العادلة والمشرقة التي أنتهجها أدّت إلى الإطاحة بحكومته الرشيدة وإجماع القوى الباغية والمنحرفة ضده. فقد نفر الناس من سياسة المساواة والعدل على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى أكد بكتابه الكريم بقوله تعالة: (يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُم مِن ذَكَرٍ وَانثى وَجَعَلْناكم شُعوباً وَقَبائلَ لِتعارَفوا إنَّ أكْرمَكُم عندَ اللهِ أتقاكُم). حيث يقول العلامة الحافظ الصادق أبو الحسن المدائني " إنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى تخاذل العرب عن الإمام اتّباعه لمبدأ المساواة حيث كان لا يفضّل شريفاً على مشروف في العطاء ولا عربياً على أعجمي"


وإن النظام الاقتصدي الذي أعتمده الامام علي ابن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) يهدف الى أقامة مجتمع عادل ومتوازن لاتقف فيه الاقطاعية أو الرأسمالية موقف التسلط والتسيد على رقاب الناس ولا يوجد فيه فقير ومحروم وبائس. فقد كان الامام شديد وعادل مع أقرب المقربين فقد كان حازم مع اولاده ومع أخوته, وحادثة عقيل ابن أبي طالب هي دليل قاطع على عدالته, عندما طلب عقيل مساعدة أكبر مما يستحق من بيت المال, مما دعا الامام ان يحمي له جمرة ويكوي بها يده. جاعلا من ذلك الموقف عبرة ودرس للعدالة والمساواة بين الرعية (السلام عليك يا أبا الاحرار, السلام علك يا أبا الحسنين).


أخلاق الامام علي في لحظات استشهاد
الحديث عن الامام علي في ذكرى أستشهاده هو حديث يدمي القلب ويأرق الجفون لامة تنحر أمامها بمحراب الصلاة وتهدم أحد أركان الهدى وتطفأ نور الله بمؤامرات دنيئة وخبيثة تحاك بظلام ضد دين الله ورسالته الإسلامية.

الإمام علي نموذج الإنسانية الراقية والمثل الاعلى لتصعيده وشموخه فالإمام حقيقة راهنة تخلد خلود الحياة. وعندما نبحر في عمق التاريخ الانساني الطويل لم نجد بعد الرسول محمد (صلى الله عليه وعلى آله الطيبين) رجلاً كالإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام) يحمل من الصفات والفضائل والمناقب والمحاسن الاخلاقية والانسانية منذ أن آمن بالرسالة النبوية وأفتدى بنفسه الرسول الاعظم.


وهو أول من نصر الاسلام بسيفه عندما برز في معركة الخندق لعمرو بن ود العامري التي تعادل عبادة الثقلين عندما ضمن الرسول (صلى الله عليه وعلى آله الطيبين) للإمام علي الجنة.

وفي فجر يوم 19 رمضان من عام 40 للهجرة في مسجد الكوفة ضرب أحد أشقياء الخوارج عبد الرحمن بن ملجم الإمام علي بن أبي طالب وهو في المحراب ساجداً على رأسه بسيف مسموم، وقد صاح الإمام بعدما ضربه الشقي " فزت ورب الكعبة. وهذه الحادث الجلل كان بتشجيع من الأشعث أبن قيس (والد جعدة بنت الأشعث التي دست السم بعدها للإمام الحسن (عليه السلام)

غدرت الامة بإمامها العظيم علي ابن ابي طالب بعد أن فنى عمره في طاعة الله وخدمة الرسالة الاسلامية, فقد عاش الامام علي 63 عاما فقيهاً زاهداً عابدا وعادلاً وناصراً للفقراء والمستضعفين, وقد أسلم وهو ابن عشر سنين. وقضى ثلاثاً وعشرين عاماً مع الرسول ثلاثة عشر بمكة وعشر سنوات بالمدينة بعد الهجرة.

وهنا لانريد الحديث عن سبب قتل الامام من قبل الدعي ابن الدعي ابن ملجم(لعنة الله عليه) وعلاقة المجرم بقطامة بنت الاخضر التيمية، التي قتل أميرالمؤمنين (عليه السلام) أباها وأخاها بالنهروان, ولكن نريد أن نسلط الضوء على الجانب الاخلاقي والانساني لسلوك الامام علي في التعامل مع الخصوم في لحظات حرجة وخطيرة. فقد أوصى الأمام علي (عليه السلام) ولديه الحسن والحسين (عليهم السلام) حين ضربه ابن ملجم (لعنة الله عليه)


فقال لهم: أوصيكم بتقوى الله وأن لاتبغيا الدنيا وإن بغتكما, ولا تأسفا على شئ منها زوي عنكما, وقولا قول بالحق, وأعملا للإجر, وكونا للظالم خصما وللمظلوم عوناً. أوصيكم وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم.الله الله بالايتام فلا تغبٌوا أفواههم, ولايضيعوا بحضرتكم, الله الله بجيرانكم فأنهم وصية نبيكم مازال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم. الله الله في القران لا يسبقكم بالعمل به غيركم, الله الله في الصلاة فأنها عمود دينكم.


وقال الامام روحي له الفداء أنا بالامس صاحبكم, واليوم عبرة لكم, وغداً مفارقكم, غفر الله لي ولكم. إن أبق فأنا وليٌ دمي, وإن أفن فالفناء ميعادي, وأن أعف فالعفو لي قربة, وهو لكم حسنة, فأعفوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟


وقال عليه السلام: والله ما فجأني من الموت وارد كرهته, ولا طالع أنكرته, وما كنت إلا كقارب ورد, وطالب وجد, وما عند الله خير للابرار.

الاخلاق التي تهذب بها أمير المؤمنين فاقت المثالية وبلغت الرقي في المراتب, فقد أكتسبها من الرسول الاعظم التي شهد الله لتك الاخلاق النبيلة والفريدة في قوله تعالى( وإنك لعلى خلق عظيم) وقد تجسدت تلك الاخلاق في سلوك الامام علي فقد كان عادلاً مع أشد خصومه.


لم يأثر من الشقي ابن الشقي ابن ملجم (لعنة الله عليه) فقد أولى حكمه لله والعقل في وصيته الرائعة لاولاده محبيه, رغم أن المؤمنين والمقربين في لحظة الواقعة الكونية في مسجد الكوفة أنهالوا بالضرب على ابن ملجم وأرادوا الانقضاض عليه, لكن الامام أوقف هذا السلوك وأوعز الحكم لله عليه للعقل والمنطق. وهذا السلوك الاخلاقي تفتقر له البشرية عامة من حكام وعلماء وفلاسفة عبر التاريخ.

ومن مناقب أخلاق الامام علي (عليه السلام) بعد ضربة أبن ملجم العين بسيف مسموم تجمع الناس في باب الامام فخرج الامام الحسن(عليه السلام) فقال معاشر الناس إن أبي أوصاني أن أترك أمره الى وفاته, فإن كان له الوفاة وإلا نظر هو في حقه, فأنصرفوا يرحمكم الله. فإنصرف البعض فخرج لهم الامام ثانية. وقال يا أصبغ أما سمعت قولي عن قول أمير المؤمنين, قلت بلى ولكني رأيت حاله فأحببت أن أنظر اليه فأستمع منه حديثاً.

فاستأذن لي, فقال لي أدخل, فدخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) معصب بعصابة وقد علت صفرة وجهه على تلك العصابة واذا هو يرفع فخذا ويضع آخر من شدة الضربة وكثرة السم. فقال لي يا أصبغ ابسط يدك, فبسطت يدي, فتناول إصبعاً من أصابع يدي وقال: يا أصبغ كذا تناول رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله الطيبين) إصبعا من اصابع يدي كما تناولت اصبعا منك ثم قال: يا أبا الحسن ألا وإني وأنت أبوا هذه الامة فمن عقنا فلعنة الله عليه, ألا وإني وأنت موليا هذه الامة فعلى من أبق عنا لعنة الله, ألا وإني وأنت أجيرا هذه الامة فمن ظلمنا أجرتنا فلعنة الله عليه وبعدها أغمى عليه.

هذه الاخلاق التي تحلى بها امام المؤمنين وسيد الوصيين وهو يترك وصيته لاولاده ومحبيه وللامة الاسلامية في حاضرها ومستقبلها لكي تتجاوز, كما اراد الامام ان يعرف الامة من خلال الاصبغ بعق الامة حق الامام وأهل بيته من قبل الظالمين والطامعين.

وهنا الامام لم يوصي بالثأر والانتقام ولا يريد ان تكون الواقعة الكونية نواة أنتقام وشرارة حرب بين الطوائف والقبائل. ولكنه جعل القصاص من الجاني تحديدا والقصاص العادل بالمثل كما أمر به الله سبحانه وتعالى.


أُشدُدْ حيازيمك للموت فإنّ المـوتَ لاقيـكا
ولا تجزعْ مِن الموت إذا حـلّ بنـاديـكا

ولا تغترَّ بالـدهـر وإن كـان يُواتيـكا
كما أضحكك الدهـر كذاك الدهرُ يُبكيـكا

السلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا أبا الأحرار



Share/Save/Bookmark

التعليقات (0)

RSS خاصية التعليقات

أضف تعليق

تصغير | تكبير

busy